الحكومة الإسلامية الإمام الخميني (ره(                 


الحكومة الإسلامية الإمام الخميني (ره(

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على خير خلقه محمد وآله أجمعين

موضوع ولاية الفقيه يعتبر فرصة للتحدث حول بعض الأمور والمسائل المتعلقة به. وولاية الفقيه من المواضيع التي يوجب تصورها التصديق بها، فهي لا تحتاج لأية برهنة. وذلك بمعنى أن كل من أدرك العقائد والأحكام الإسلامية ـ ولو إجمالاً ـ وبمجرد أن يصل إلى ولاية الفقيه ويتصورها فسيصدق بها فوراً، وسيجدها ضرورة وبديهية. والسبب في عدم وجود ادنى التفات لولاية الفقيه وفي أنها صارت بحاجة للاستدلال هو الأوضاع الاجتماعية للمسلمين بشكل عام والحوزات العلمية بشكل خاص، وهناك أسباب تاريخية لأوضاعنا الاجتماعية نحن المسلمين، ولأوضاع الحوزات العلمية نقوم بالاشارة اليها.

لقد ابتليت النهضة الإسلامية منذ انطلاقتها باليهود، فهم الذين شرعوا أولاً بالدعاية ضد الإسلام وبالدسائس الفكرية بنحو ـ وكما تلاحظون ـ وصل مداه إلى أيامنا هذه. ووصل الدور بعدهم إلى طوائف هم ـ بمعنى من المعاني ـ أكثر شيطنة من اليهود، وهؤلاء استطاعوا الوصول إلى البلاد الإسلامية على شكل استعمار منذ ثلاثة قرون أو أكثر وقد رأوا أنه من اللازم لكي يصلوا إلى مطامعهم الاستعمارية أن يهيئوا الأرضية للقضاء على الإسلام. ولم يكن هدفهم ابعاد الناس عن الإسلام لتقوية النصرانية، لأن هؤلاء لا يعتقدون بالنصرانية ولا بالإسلام، لكنهم ـ وطوال هذه المدة وأثناء الحروب الصليبية شعروا ان الذي يقف سداً أمام مصالحهم المادية، ويعرّض مصالحهم المادية وقواهم السياسية للخطر هو الإسلام وأحكامه وايمان الناس به، فقاموا بالدعاية والدس ضد الإسلام بمختلف الوسائل. وقد تعاضد في العمل على تحريف حقائق الإسلام رجال الدين الذين أوجدوهم في الحوزات العلمية، والعملاء الذين كانوا يعملون لهم في الجامعات والمؤسسات الاعلامية الحكومية أو مراكز النشر، والمستشرقين الذي هم في خدمة الدول الاستعمارية، فهؤلاء جميعاً تكاتفوا في ذلك بنحو صار فيه الكثير من الناس والمثقفين في حالة من الضياع والانحراف عن الصواب تجاه الإسلام.

إن الإسلام هو دين المجاهدين الساعين للحق والعدالة، دين أولئك الذين ينشدون الحرية والاستقلال. إنه عقيدة المناضلين والمعادين للاستعمار.

لكن أولئك عرضوا الإسلام بشكل آخر، ولا يزالون. إن هذا التصور الخاطئ عن الإسلام الذي يلقي في أذهان عامة الناس، والشكل الناقص الذي يعرض فيه الإسلام في الحوزات العلمية هدفه سلب الخاصية الثورية والحياتية للإسلام، ومنع المسلمين من السعي للقيام والتحرك والثورة، ومن أن يكونوا متحررين وساعين لتطبيق الأحكام الإسلامية، ومن أن يؤسسوا حكومة تؤمن سعادتهم ويكوّنوا الحياة اللائقة بالانسان. فكانوا يشيعون مثلاً أن الإسلام ليس ديناً جامعاً، فهو ليس دين حياة، وليس فيه أنظمة وقوانين للمجتمع، ولم يأت بنظام وقوانين للحكم، الإسلام أحكام حيض ونفاس فحسب، وفيه بعض التوجيهات الاخلاقية أيضاً، لكن ليس فيه شيء مما يرتبط بالحياة وإدارة المجتمع. ومن المؤسف أن دعاياتهم السيئة هذه قد أثَّرت. وحالياً ـ فضلاً عن عامة الناس ـ فإن الطبقة المثقفة سواء من الجامعيين أو الكثير من رجال الدين لم يفهموا الإسلام جيداً، وهم يمتلكون تصورات خاطئة تجاهه، والناس يجهلون الدين، كما يجهلون الأشخاص الغرباء عنهم، فالإسلام يعيش بين شعوب الدنيا بغربة كما أنه لو أراد الانسان أن يعرض الإسلام كما هو فلن يصدقه الناس بسرعة، بل تواجهه أصوات الاستعمار في الحوزات بالضجيح والغوغاء.

ولكي يتضح شيئاً ما عظم الفرق بين الإسلام وبين ما يعرض على أنه الإسلام ألفت نظركم إلى التفأوت الموجود بين القرآن وكتب الحديث والتي هي مصادر الأحكام والقوانين من جهة، وبين الرسائل العملية التي تكتب من قبل مجتهدي العصر ومراجع التقليد من جهة أخرى من ناحية الجامعية والتأثير الذي يمكن أن تتركه في الحياة الاجتماعية. فنسبة الاجتماعيات في القرآن للآيات العبادية تتجأوز المئة مقابل واحد، كما نجد أنه في كتب الحديث التي تشتمل الدورة منها حوالي خمسين كتاباً وتحتوي على جميع الأحكام الإسلامية، نجد أن هناك ثلاثة أو أربعة كتب حول عبادات الانسان ووظائفه تجاه ربه وشيئاً من الأحكام الأخلاقية، والباقي كله مما يتعلق بالأمور الاجتماعية والاقتصادية والحقوق السياسية وتدبير المجتمع.

أنتم أيها السادة يا جيل الشباب، الذين ستكونون مفيدين لمستقبل الإسلام انشاء الله، عليكم أن تكونوا بعد هذه النقاط الموجزة التي أبينها لكم مجدّين طوال حياتكم في بيان انظمة الإسلام وقوانينه، وأطلعوا الناس ـ بأي شكل ترونه مفيداً كتابة أو مشافهة ـ على المشاكل التي ابتلى بها الإسلام منذ بداية نهضته، وعما لديه الآن من أعداء ومصائب.

لا تتركوا حقيقة الإسلام وماهيته مستورة كيلا يتصور أحد أن الإسلام كالمسيحية يمثل ـ بالاسم لا بالحقيقة ـ عدة قوانين حول العلاقة بين الله والناس فحسب، وأن المسجد لا يختلف عن الكنيسة.

في ذلك الوقت الذي لم يكن فيه الغرب شيئاً يذكر، وكان أهله يعيشون في حالة من التوحش، وكانت أمريكا موطناً للهنود الحمر شبه المتوحشين، وكانت امبراطوريتا الفرس والروم تحت سيطرة الاستبداد والطبقية وسلطة الأقوياء، ولم يكن فيها من أثر لحكومة الشعب والقانون، أرسل الله تعالى من خلال رسوله الأكرم (ص) قوانين تدهش الانسان بين فترة ما قبل انعقاد نطفته إلى ما بعد دفنه، ووضع قوانين للوظائف العبادية، وجعل للأمور الاجتماعية والادارية قوانين وطرق ورسوم.

فحقوق الإسلام حقوق راقية ومتكاملة وجامعة والكتب الموسوعية التي ألِّفت من قديم الزمان في مختلف المجالات الحقوقية بدءاً من أحكام القضاء والمعاملات والحدود والقصاص إلى العلاقات بين الشعوب، ومقررات السلم والحرب والحقوق الدولية العامة والخاصة إنما هي غيض من فيض الأحكام والأنظمة الإسلامية. ليس ثمة موضوع لم يضع له الإسلام تكليفاً، ولم يصدر حوله حكماً.

إن عملاء الأجانب ـ ولكي يحرفوا المسلمين ومثقفيهم من جيل الشباب عن الإسلام ـ أخذوا يبثُّون أن الإسلام ليس فيه شيء، وأنه مجموعة من أحكام الحيض والنفاس، وأن على الملالي (رجال الدين) أن يدرسوا الحيض والنفاس.

وهذا صحيح أيضاً، إذ أن الملالي الذين هم ليسوا في وارد التفكير في بيان نظريات الإسلام ونظراته للكون، ويصرفون أغلب أوقاتهم فيما يقول هؤلاء، وقد نسوا سائر كتب الإسلام (أبوابه) يستحقون التعرض لأشكالات وهجمات كهذه. فهم أيضاً مقصرون، وإلا فهل الأجانب وحدهم المقصرون؟ بالطبع فإن الاجانب قد هيأوا الاساس منذ عدة قرون لمطامعهم السياسية والاقتصادية، وقد نجحوا نتيجة الاهمال الموجود في حوزات علماء الدين، ولقد كان بيننا نحن ـ أهل العلم ـ أشخاص ساعدوهم في تحقيق أهدافهم ـ دونما علم بذلك ـ حتى وصل الوضع إلى ما هو عليه الآن.

تارة يوسوسون أن أحكام الإسلام ناقصة، فيقولون مثلاً: ان قوانينه في القضاء وتطبيق العدالة ليست كما يجب. وفي أعقاب هذا البث وهذه الدعايات يقوم عملاء الانكليز بأمر من سادتهم بالتلاعب بأساس المشروطة، ويضللون الناس ويخدعونهم عن حقيقة جريمتهم السياسية (وهذا حسب الشواهد والمستندات الموجودة) وعندما أرادوا تدوين الدستور في أوائل المشروطة اقترضوا المجموعة الحقوقية البلجيكية من سفارة بليجكا، وقام عدة اشخاص (ولا أريد أن أذكر هنا أية أسماء) بكتابة الدستور في تلك المجموعة، ورمَّموا نقائصه من المجموعات الحقوقية لفرنسا وانجلترا ومن أجل خداع الشعب ضموا إليه بعض الأحكام الإسلامية، فقد اقتبسوا أساس القوانين من هؤلاء وأعطوها لشعبنا. فمواد الدستور هذه ومتمماتها المتعلقة بالملكية، والحكم الوراثي، وأمثال ذلك أين هي من الإسلام؟

فهذا كله ضد الإسلام ويناقض نمط الحكومة الإسلامية وأحكامها. فالملكية والحكم الوراثي هي مما أبطله الإسلام وألغاه في صدر الإسلام في ايران وبلاد الروم الشرقية ومصر واليمن. ولقد دعا الرسول الأكرم (ص) في رسائله المباركة امبراطورية الروم الشرقيين (هراكليوس) وملك ايران إلى التخلي عن نمط الحكومة الملكية والامبراطورية، وعن الزام عباد الله بالطاعة والعبودية المطلقة لهم، وليتركوهم ليعبدوا الله الواحد الذي لا شريك له، الذي هو السلطان الحقيقي.

الملكية والحكم الوراثي هي ذلك الطراز من الحكم المشؤوم والباطل الذي ثار سيد الشهداء (ع) واستشهد من اجل المنع من اقامته، فلقد ثار ودعا جميع المسلمين للثورة لكي لا يخضع لولاية عهد يزيد ولكي لا يعترف رسمياً بسلطنته. فهذه الأمور ليست من الإسلام. الإسلام ليس فيه ملكية وحكم وراثي، واذا كان النقص بهذا المعنى، نعم فالإسلام ناقص! كما أن الإسلام ليس لديه قانون وأحكام لأكل الربا وللبنوك الربوية وتجارة الخمر والفحشاء، وذلك لأنه قد حرم هذه الأمور من الأساس. إن هؤلاء الحكام من أيادي الاستعمار الذين يريدون ترويج أعمال كهذه في البلاد الإسلامية من الطبيعي أن يروا الإسلام ناقصاً، وهم مضطرون لأن يستوردوا القوانين لهذه الأمور من انجلترا وفرنسا وبلجيكا وأخيراً من أمريكا. إن كون الإسلام لا يمتلك تشريعات لترتيب هذه الأمور غير المشروعة من كمالات الإسلام ومفاخره.

لقد كانت المؤامرة التي قامت بها دولة بريطانيا الاستعمارية في بداية الحركة الدستورية لهدفين: الأول هو ما شاع في ذلك الوقت من السعي إلى القضاء على نفوذ روسيا القيصرية في ايران. والآخر هو إخراج الأحكام الإسلامية من مجال العمل والتطبيق من خلال الإتيان بالقوانين الغربية.

لقد كان فرض قوانين الاجانب على مجتمعنا الإسلامي مصدراً للكثير من الابتلاءات والمشاكل. فبعض أهل الخبرة والاطلاع في مجال القضاء يتذمرون من قوانين المحاكم وطريقة عملها، اذ لو ابتلي الانسان بمحكمة ايران الحالية أو سائر البلاد المشابهة لها فيجب عليه أن يشقى طيلة العمر لاثبات أمر ما. قال لنا أحد المحامين المتمرسين كنا قد التقيناه زمن الشباب «إني قادر على معالجة قضية بين متخاصمين والدوران بها بين القوانين والمحاكم إلى آخر عمري! وسيتابعها ابني بعد وفاتي!» قد صار الأمر بهذا النحو بالضبط، ماعدا الملفات التي يتم فيها استعمال النفوذ حيث تحل وتنتهي بالطبع بسرعة، لكن لا بالحق والعدل. والقوانين الحالية للمحاكم لا نتيجة فيها للشعب سوى التعب والتأخر عن العمل وأمور المعيشة، وسوى الاستغلال غير المشروع لها. قليلون هم أولئك الاشخاص الذين يصلون إلى حقوقهم الثابتة. مع أنه في حل الدعأوى والفصل فيها يجب مراعاة جميع الجهات، لا مجرد وصول الشخص إلى حقه فحسب، فيجب خلال ذلك أن يلاحظ وقت الناس وطريقة معيشة وعمل كلا طرفي الدعوى، وأن تتم بما أمكن من سرعة وبساطة. القضايا التي كان يحلها ويفصل فيها قاضي الشرع تلك الأيام خلال يومين أو ثلاثة لا تنتهي هذه الأيام خلال عشرين سنة! في هذه الأيام يجب أن يذهب الشباب والشيوخ والضعفاء كل يوم إلى المحكمة من الصباح إلى العصر، ويقضوا الوقت في الممرات والمكاتب دون الحصول على نتيجة نهاية الامر أيضاً. فكل من كان اكثر براعة استعداداً لبذل الرشوة ينجز اعماله بشكل أسرع، حتى لو كان من دون حق، والا فسيبقى إلى آخر عمره مشغولاً ولا يدري ما العمل.

يكتبون أحياناً في كتبهم وجرائدهم أن الأحكام الجزائية في الإسلام أحكام خشنة، حتى لقد كتب أحدهم ـ وفي غاية الوقاحة ـ أنها أحكام خشنة مستمدة من خشونة العرب! فخشونة العرب هي التي انتجت هذه الأحكام!

إني إعجب لهؤلاء كيف يفكرون! فمن جهة عندما يقتلون عدة اشخاص لأجل عشر غرامات من الهيروئين يقولون إنه القانون (لقد علمنا أنهم قتلوا عشرة أشخاص منذ مدة وعشرة أشخاص مؤخراً أيضاً من أجل عشر غرامات من الهيروئين) عندما توضع هذه القوانين المخالفة للانسانية تحت شعار أنهم يريدون منع الفساد لا يكون فيها خشونة!! أنا لا أقول دعوهم يبيعوا الهيروئين، ولكن ليس هذا جزاءه. يجب منعه، لكن يجب أن تكون عقوبته متناسبة معه اذا ضرب شارب الخمر ثمانين جلدة فهذا أمر فيه خشونة، أما اذا أعدموا إنساناً لأجل عشرة غرامات من الهيروئين فلا خشونة في الأمر! مع أن الكثير من المفاسد التي ظهرت في المجتمع هي من شرب الخمر، فالكثير من حوادث السير التي تقع في الطرقات، وعمليات الانتحار والقتل سببها شرب الخمر. يقولون إن استعمال الهيروئين كثيراً ما يكون من شرب الخمر، ومع هذا لو شرب أحدهم الخمر فلا اشكال في الامر، لأن الغرب قد فعل ذلك! ولذا يشترونه ويبيعونه بحرية. إذا أريد منع ـ الفحشاء ـ والتي شرب الخمر من أوضح مصاديقها ـ وضرب أحدهم ثمانين جلدة، أو ضرب الزاني مئة جلدة، أو رجم المحصن أو المحصنة ترتفع الصيحات مستنكرة خشونة الحكم، وأنه صادر من خشونة العرب، مع أن أحكام الإسلام الجزائية قد جاءت لمنع مفاسد أمة كبيرة. لقد انتشرت الفحشاء إلى هذا الحد، بشكل أضاعت الاجيال وأفسدت الشباب وعطلت الاعمال، وصار الجميع يبحث عن هذه الملاهي التي مهدوا لها الطريق، وتعلقوا بها بما للكلمة من معنى، وأخذوا يروجون لها، فلو قال الإسلام: اجلدوا شخصاً ما في الملأ العام لأجل منع الفساد في جيل الشباب، فهذا فيه خشونة!

بينما المجازر التي استمرت حوالي 15 سنة بيد أسياد أولئك الحكام في فيتنام مع ما فيها من خسائر مادية ودماء مسفوكة لا اشكال فيها! أما لو أراد الإسلام إخضاع الناس للقوانين المفيدة للبشر فأمر بالدفاع أو الحرب، وقتل عدداً من الاشخاص المفسدين والفاسدين، فإنهم يتساءلون عن مبرر هذه الحرب.

كل هذه المخططات موضوعة منذ عدة قرون ويقومون بتنفيذها بالتدريج ويقطفون ثمراتها. في البدء أسسوا مدرسة في مكان ما ونحن سكتنا وبقينا غافلين، ولقد غفل أمثالنا أيضاً عن أن يمنعوهم ولا يسمحوا بانشاء ذلك من الاساس، وشيئاً فشيئاً أخذوا بالازدياد، والآن ترون أن مبشريهم قد توجهوا إلى جميع القرى والقصبات، ويقومون بتنصير أبنائنا أو اخراجهم من حالة التدين. المخطط هو أن يبقونا، وعلى الحال التي نحن فيها من الحياة المنكوبة لكي يتمكنوا من استغلال ثرواتنا ومنابعنا الطبيعية واراضينا وطاقاتنا البشرية. يريدون لنا أن نبقى غرقى في المشاكل والعجز، وأن يبقى فقراؤنا بهذه التعاسة، ولا يخضعوا لأحكام الإسلام التي تحل مشكلة الفقر والفقراء، ولكي يبقوا هم وعملاؤهم في القصور الفخمة مستمرين في تلك الحياة المرفهة. تلك مخططات قد وصل مداها حتى إلى الحوزات الدينية والعلمية، بشكل لو أراد الانسان أن يتكلم حول الحكومة الإسلامية ووضع حكومة الإسلام فيجب عليه أن يستعمل التقية، وأن يواجه معارضة أذناب الاستعمار. كما أنه عندما طبعت الطبعة الأولى من هذا الكتاب انتفض عملاء السفارة (سفارة نظام الشاه في العراق) وقاموا بتحركات يائسة، وفضحوا أنفسهم أكثر فأكثر. والآن وصل بنا الحال إلى أن صاروا يعتبرون لباس الجندي منافياً للمروءة والعدالة مع أن أئمة ديننا كانوا جنوداً وقادة ومقاتلين. وكانوا يذهبون إلى الحروب التي تسردها كتب التاريخ وهم يرتدون بزة الحرب، وكانوا يقتلون ويقدمون القتلى. وأمير المؤمنين (ع) كان يضع الخوذة على رأسه المبارك، ويلبس الدرع وكان لسيفه حمائل. وهكذا كان الامام الحسن وسيد الشهداء (ع). ولم يفسح المجال فيما بعد، وإلا لكان الامام الباقر (ع) بهذا النحو أيضاً، ووصل بنا الحال الآن إلى أن صار ارتداء لباس الجندي مضراً بالعدالة وصار ممنوعاً، وإذا أردنا اقامة حكومة إسلامية فيجب علينا أن نقيمها بهذه العباءة والعمامة، والا كان ذلك خلاف المروءة والعدالة. إنها تأثيرات تلك الدعايات، وهي التي وصلت بنا وأوصلتنا إلى هنا بنحو صرنا بحاجة إلى تجشم المشقات لنثبت أن الإسلام يمتلك قواعد للحكومة.

هذا هو وضعنا. لقد رتب الأجانب أساس هذه الأمور بواسطة دعاياتهم ودعاتهم، فأخرجوا جميع القوانين القضائية والسياسية للإسلام من ساحة التطبيق، ووضعوا مكانها المفاهيم الأوربية ليضعفوا الإسلام ويخرجوه من المجتمع، ويأتوا باتباعهم لتسليم الأمور، بينما يقومون هم باستغلال الوضع.

لقد بينَّا المخطط التخريبي المفسد للاستعمار، والآن يجب أن نضيف عليه التأثيرات الداخلية لبعض أفراد مجتمعنا وانهزاميتهم أمام التقدم المادي للمستعمرين. لقد أحسن هؤلاء بالانهزام عندما رأوا البلاد الاستعمارية ـ أو بالاحرى ناهبي الشعوب الاسيوية والافريقية ـ قد حققوا التقدم العلمي والصناعي، وجنوا الثروات وانتخبوا الكماليات المختلفة، فظن هؤلاء أن الطريق للتقدم الصناعي هو التخلي عن عقائدهم وقوانينهم، فعندما وصل أولئك المستعمرون إلى القمر مثلاً، ظن هؤلاء أنه يجب التخلي عن قوانينهم، مع انه ما العلاقة بين الذهاب إلى القمر والقوانين الإسلامية؟ أو لم يروا أن بلداناً تمتلك قوانين وانظمة اجتماعية متضادة تمكنت من العمل مع بعضها في مجال التقدم الصناعي والعلمي وتسخير الفضاء وساروا في ذلك معاً. فليذهب أولئك إلى المريخ، بل وإلى المجرات أيضاً، فسيظلون مع هذا عاجزين عن تحقيق الفضائل الاخلاقية والرقي النفسي، وغير قادرين على حل مشاكلهم الاجتماعية. إذ أن حل مشاكلهم الاجتماعية وتعاستهم يحتاج إلى حلول عقائدية واخلاقية. وتحصيل القوة المادية أو الثروة والسيطرة على الطبيعة والفضاء كل ذلك لا يؤمن الحل، فالثروة والقوة المادية والسيطرة على الفضاء هذا كله يحتاج إلى الايمان والاعتقاد والاخلاق الإسلامية ليكتمل ويعتدل ويكون في خدمة الانسان، لا وبالاً عليه. وهذه العقيدة والاخلاق والقوانين نحن الذين نمتلكها. بناءً على هذا لا ينبغي لنا أن نتخلى فوراً عن ديننا وقوانيننا ذات الصلة بحياة البشر، والتي هي اساس الاصلاح لحال البشر في الدنيا والآخرة بمجرد ان تمكن البعض من صنع شيء ما، أو من الوصول إلى مكان ما.

أجل فالوضع بالنسبة لدعايات المستعمرين بهذا النحو. فلقد قام اعداؤنا ببث دعاياتهم، والمؤسف هو وقوع بعض أفراد مجتمعنا تحت تأثيرهم، مع أنه ما كان ينبغي لهم ذلك، لقد أوحى الينا المستعمرون أن الإسلام ليس فيه حكومة، ولا يمتلك نظام حكم وعلى فرض وجود أحكام فيه فليس لديه سلطة تنفيذية (حاكم) خلاصته ان الإسلام مشرع فحسب، ومن الواضح أن هذه الدعايات جزء من مخطط المستعمرين لابعاد المسلمين عن السياسة واساس الحكومة. وهذا الكلام يخالف عقائدنا ومفاهيمنا الاساسية.

فنحن نعتقد بالولاية ونعتقد بلزوم تعيين النبي (ص) لخليفة، وأنه قد عين كذلك. فهل تعيين الخليفة هو لأجل بيان الأحكام؟ فبيان الأحكام لا يحتاج لخليفة. إذ كان قد بينها الرسول (ص) بنفسه أو كتبها جميعاً في كتاب وأعطاه للناس ليعملوا به، وكون تعيين الخليفة لازماً عقلاً إنما هو لأجل الحكومة، فنحن نحتاج إلى خليفة لكي ينفذ القوانين، اذ القانون يحتاج إلى مجرٍ ومنفذ. ففي جميع بلدان الدنيا الأمر بهذا النحو، إذ وضع القانون بمجرده لا فائدة فيه، ولا يؤمن سعادة البشر، فبعد تشريع القانون يجب إيجاد سلطة تنفيذية. ففي التشريع أو الحكومة إذا لم يكن ثمة سلطة تنفيذية يكون هناك نقص. ولذا فالإسلام قام بوضع القوانين وعين سلطة تنفيذية أيضاً، فولي الامر هو المتصدي لتنفيذ القوانين أيضاً. لو لم يعين الرسول الأكرم (ص) خليفة لما كان قد بلغ رسالته ولما كان قد أكملها. ولقد كانت ضرورة تطبيق الأحكام، ووجود السلطة التنفيذية وأهميتها في تحقيق الرسالة، وايجاد النظام العادل ـ الذي هو منشأ لسعادة البشر ـ وراء كون تعيين الخليفة مرادفاً لاتمام الرسالة.

لم يكن الامر مقتصراً في زمان الرسول (ص) على مجرد بيان القانون وابلاغه، بل كان يقوم (ص) بتنفيذه أيضاً، لقد كان رسول الله (ص) المنفذ المطبق للقانون، فقد قام بتطبيق القوانين الجزائية مثلاً: قطع يد السارق، واقام الحد، ورجم والخليفة معين لهذه الأمور أيضاً، فالخليفة ليس مشرعاً، بل الخليفة معين لأجل تنفيذ أحكام الله التي جاء بها الرسول (ص). ومن هنا يجب اقامة الحكومة والسلطة التنفيذية والادارية. إن الاعتقاد بضرورة تأسيس الحكومة واقامة السلطة التنفيذية والادارية جزء من الولاية، كما أن النضال والسعي لاجلها من الاعتقاد بالولاية أيضاً. انتبهوا جيداً فكما يقوم أولئك بترجمة الإسلام وبيانه بشكل سيئ محاربةً لكم، قوموا أنتم ببيان الإسلام كما هو، وبينوا الولاية واشرحوها كما هي. قولوا: إننا إذ نعتقد بالولاية، وبأن الرسول الأكرم (ص) قد عين خليفة، وقد ألجأه الله تعيين الخليفة وولي أمر المسلمين، فيجب أن نعتقد بضرورة تأسيس الحكومة الإسلامية، ويجب أن نسعى لإقامة السلطة لتنفيذ الأحكام وإدارة الأمور. إن النضال من أجل اقامة الحكومة الإسلامية لازم للاعتقاد بالولاية. قوموا بالكتابة حول قوانين الإسلام وآثارها الاجتماعية وفوائدها وانشروا ذلك، سيروا في طريقة ونمط عملكم التوجيهي وانشطتكم نحو التكامل، وتذكروا انكم مكلفون بتأسيس الحكومة الإسلامية. اعتمدوا على انفسكم، واعلموا انكم ستنجحون في هذا العمل. لقد هيأ المستعمرون الارضية منذ ثلاثة أو أربعة قرون، شرعوا من الصفر حتى وصلوا إلى ما وصلوا اليه الآن. لنشرع نحن من الصفر أيضاً. لا تسمحوا لضجيج بعض المتغربين والمستسلمين لخدم الاستعمار أن يخيفكم. عرَّفوا الناس على الإسلام لكي لا تتصور الاجيال القادمة أن رجال الدين قد جلسوا في زوايا النجف وقم يدرسون أحكام الحيض والنفاس، ولا دخل لهم بالسياسة، وأنه يجب فصل الدين عن السياسة. إن المستعمرين هم الذين اشاعوا هذ المقولة من لزوم فصل الدين عن السياسة، وعدم تدخل علماء الإسلام في الأمور الاجتماعية والسياسية. هذا كلام من لا دين لهم. فهل كانت السياسة منفصلة عن الدين في زمان الرسول الأكرم (ص) ؟ وهل كان البعض رجال دين، والبعض الآخر سياسيين ومسؤولين في ذلك العهد؟ وهل كانت السياسة مفصولة عن الدين في زمان الخلفاء ـ سواء كانوا خلفاء حق أم باطل ـ وفي زمن خلافة أمير المؤمنين (ع) ؟ وهل كان هناك جهازان؟ لقد أوجد المستعمرون وعملاؤهم هذه المقولات من أجل ابعاد الدين عن التصرف في أمور الدنيا، وعن تنظيم المجتمع الإسلامي، وفصل علماء الدين ـ من خلال ذلك ـ عن الشعب وعن المناضلين لأجل الحرية والاستقلال، إذ بهذا النحو يمكنهم التسلط على الشعب ونهب ثرواتنا، فهذا هو هدفهم.

لو لم يكن لنا من شغل نحن المسلمين سوى الصلاة والدعاة والذكر، لما كان للمستعمرين والدول الجائرة المتحالفة معهم أي مشكلة معنا، فاذهبوا وأذنوا وصلَّوا ما شئتم، وليأتوا هم وليأخذوا ما يشاؤون. بينما نكل أمرهم إلى الله ولا حول وقوة إلا بالله! وعندما نموت سيمنحنا الله جزيل الاجر! إذا كان هذا هو منطقنا فليس لهم معنا أية مشكلة. فذاك العسكري (الانكليزي أثناء الاحتلال البريطاني للعراق) سألهم: هذا الذي يؤذن من أعلى المأذنة هل يلحق الضرر بسياسة انكلترا؟ فقالوا له: لا. فقال: إذن دعوه يقول ما يشاء. فلو لم يكن لكم أي تعرض لسياسة المستعمرين، اعتبرتم الإسلام هو هذه الأحكام التي نبحث حولها باستمرار فقط، ولم تتجأوزوها فلن يتعرضوا لكم. فصّلوا ما شئتم، فهؤلاء إنما يريدون نفطكم، ولا شغل لهم بصلاتكم. انهم يريدون مناجمنا، يريدون بلدنا سوقاً لمنتجاتهم. ولذا تقوم الحكومات العميلة لهم بمنع التصنيع في بلادنا، أو يقومون بمجرد تجميع المصنوعات التابعة لهم. إنهم لا يريدون لنا أن نصبح بشراً! فهم يخافون من البشر، وعندما يظهر انسان ما فإنهم يخافون منه، لأنه يقوم بانتاج مماثل، وبتأثير يقوّض أساس الاستبداد والاستعمار والحكومات العميلة. لذا عندما يظهر إنسان ما إما يقتلونه أو يسجنونه أو ينفونه، أو يتهموه بأنه سياسي! يقولون: هذا العالم سياسي! وقد كان النبي (ص) سياسياً أيضاً، لكن دعايات السوء هذه يقوم بها العملاء السياسيون للاستعمار، ليبعدوكم عن السياسة، ويمنعوكم من التدخل في الأمور الاجتماعية، ولا يسمحوا لكم بالنضال ضد الدول الخائنة، والسياسات المعادية للوطن والإسلام، كي لا يمنعهم أحد من ارتكاب ما يشاؤون من أعمال، والقيام بما يشاؤون من تعديات.

القسم الأول

أدلة لزوم اقامة الحكومة

ضرورة وجود المؤسسات التنفيذية

وجود القانون المدوَّن لا يكفي لاصلاح المجتمع. فكلي يصبح القانون أساساً لاصلاح البشرية واسعادها، فإنه يحتاج إلى سلطة تنفيذية ولذا أقر الله تعالى الحكومة والسلطة التنفيذية والادارية إلى جانب إرسال القانون، أي أحكام الشرع. وكان الرسول الأكرم (ص) على رأس التشكيلات التنفيذية والادارية للمجتمع الاسلامي، واهتم (ص) ـ بالاضافة إلى ابلاغ الوحي وبيان وتفسير العقائد والأحكام والأنظمة الاسلامية ـ باجراء الاحكام وإقامة نظم الاسلام، إلى أن وجدت الدولة الإسلامية فلم يكتف في ذلك الزمان مثلاً ببيان قانون الجزاء فحسب، بل قام مع ذلك بتنفيذه أيضاً، فقطع الأيدي ورجم وأقام الحدود. وكان للخليفة والمرتبة. فعندما عين الرسول الأكرم (ص) خليفة بعده، لم يكن ذلك لمجرد بيان العقائد والأحكام، بل كان لأجل تطبيق الأحكام وتنفيذ القوانين أيضاً.

وكانت وظيفة تنفيذ الأحكام واقامة نُظُم الإسلام هي التي جعلت تعيين الخليفة مهماً إلى درجة لولاه لما كان الرسول (ص) قد بلغ رسالته، ولما كان أكملها، إذ إن المسلمين بعد الرسول (ص) كانوا يحتاجون إلى من يطبق القوانين، ويقيم النظم الإسلامية في المجتمع لتأمين سعادة الدنيا والآخرة.

فالقانون والنظم الاجتماعية تحتاج أساساً إلى منفذ. ففي جميع بلاد العالم كان الأمر دوما بهذا النحو، فالتشريع وحده لا فائدة فيه. التشريع وحده لا يؤمّن السعادة للبشر. وبعد التشريع يجب أن توجد سلطة تنفيذية تنفذ القوانين وأحكام المحاكم لتعود ثمرة القوانين والأحكام العادلة للحاكم على الشعب. لذا فكما قام الإسلام بالتشريع، فأنه أقام سلطة تنفيذية أيضاً، وولياً للامر يتصدى للسلطة التنفيذية.

طريقة الرسول الأكرم (ص) وسنته

ان سنة الرسول الأكرم (ص) ونهجه دليل على لزوم تشكيل الحكومة، وذلك:

أولاً: لأنه هو (ص) قام بتشكيل حكومة. والتاريخ يشهد بذلك، وقام بتطبيق القوانين، وتثبيت انظمة الإسلام، وادارة المجتمع، فأرسل الولاة إلى رؤساء القبائل والملوك، وعقد المعاهدات والاتفاقات، وقاد الحروب.

والخلاصة أنه قام بتطبيق مسائل الحكم والدولة.

وثانياً: عين حاكماً بعده بأمر من الله تعالى، وعندما يعيّن الله تعالى حاكماً للمجتمع بعد الرسول الأكرم (ص) فهذا يعني لزوم استمرار الحكومة بعد النبي (ص) أيضاً. وبما أن الرسول الأكرم (ص) أبلغ الأمر الالهي في وصيته، فيكون بذلك أفاد ضرورة تشكيل الحكومة أيضاً.

ضرورة استمرار تنفيذ الأحكام

من البديهي أن ضرورة تنفيذ الأحكام التي استلزمت تشكيل حكومة الرسول الأكرم (ص) ليست منحصرة ومحدودة بزمانه (ص)، فهي مستمرة أيضاً بعد رحلته (ص). وفقاً للآيات القرآنية الكريمة

فإن أحكام الإسلام ليست محدودة بزمان ومكان خاصين، بل هي باقية وواجبة التنفيذ إلى الأبد.

فلم تأت لأجل زمان الرسول الأكرم (ص) لتترك بعده ولا تنفّذ أحكام القصاص، أي القانون الجزائي للإسلام. أو لا تؤخذ الضرائب المقررة، أو يتعطل الدفاع عن الأراضي والأمة الإسلاميتين. والقول بأن قوانين الإسلام قابلة للتعطيل، أو أنها منحصرة بزمان أو مكان محددين خلاف الضروريات العقائدية في الإسلام. وعليه فبما أن تنفيذ الأحكام ضرورة بعد الرسول الأكرم (ص) وإلى الأبد، فإن تشكيل الحكومة وإقامة السلطة التنفيذية الإدارية يصبح ضرورياً. فبدون تشكيل الحكومة، وبدون السلطة التنفيذية والادارية ـ والذي يجعل جميع تصرفات وانشطة افراد المجتمع خاضعاً لنظام عادل، وذلك عن طريق تنفيذ الأحكام ـ بدون ذلك تلزم الفوضى، ويتفشى الفساد الاجتماعي والعقائدي والأخلاقي.

إذن لا مفر من تشكيل الحكومة، وتنظيم جميع الأمور التي تحصل في البلاد منعاً للفوضى والتفسخ. وعليه فما كان ضرورياً في زمان الرسول (ص) وأمير المؤمنين (ع) بحكم العقل والشرع، من إقامة الحكومة والسلطة التنفيذية والادارية، فهو ضروري بعدهم، وفي زماننا أيضاً.

ولتوضيح المطلب نطرح هذا السؤال وهو: هل يجب أن تبقى الأحكام الإسلامية طيلة فترة ما بعد الغيبة الصغرى إلى اليوم حيث مضى اكثر من الف عام، ومن الممكن أن تمر مائة الف عام أخرى دون أن تقتضي المصلحة ظهور صاحب الأمر ـ فهل يجب أن تبقى مطروحة وبلا تطبيق، وليعمل كل امرءٍ ما يشاء؟ ولتعم الفوضى؟ فهل كانت القوانين التي جهد الرسول الأكرم (ص) في سبيل بيانها وابلاغها ونشرها وتطبيقها مدة ثلاث وعشرين سنة، هل كانت لمدة محدودة فقط؟ وهل حدَّد الله تعالى تنفيذ أحكامه بمدة مئتي سنة فقط؟ وهل ترك الإسلام كل ما فيه بعد الغيبة الصغرى؟

الاعتقاد بأمور كهذه أو إظهارها أسوأ من الاعتقاد أو الإظهار للقول بنسخ الإسلام.

لا أحد يستطيع القول أنه لم يعد من الواجب الدفاع عن حدود وثغور جميع أراضي الوطن الإسلامي، أو أنه لا يجب أخذ الضرائب من الجزية

والخراج

والخمس

والزكاة في هذه الايام، أو أنه يجب تعطيل قانون الإسلامي العقوبات والديات والقصاص. فكل من يقول أنه لا ضرورة لتشكيل الحكومة الإسلامية، فهو منكر لضرورة تطبيق الأحكام الإسلامية، ولجامعيتها، ولخلود دين الإسلام المبين.

موقف أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع(

لم يتردد أحد من المسلمين في لزوم الحكومة بعد رحلة الرسول الأكرم (ص). فلم يقل أحد لا حاجة لنا بالحكومة. إذ لم يسمع كلام كهذا من أحد على الإطلاق. بل كان الجميع متفقون على ضرورة تشكيل الحكومة. وانما كان الاختلاف حول من يتولى هذا الأمر، ويكون رئيساً للدولة فحسب. لذا شكّلت الحكومة بعد رحيل الرسول الأكرم (ص) في زمن الذين تصدوا للخلافة بعده، وفي زمن أمير المؤمنين (ع). وكان هناك نظام حكومي تجري من خلاله عملية الإدارة والتنفيذ.

القسم الثاني

حقيقة قوانين الإسلام وكيفيتها

الدليل الآخر على لزوم تشكيل الحكومة هو ماهية القوانين الإسلامية (أحكام الشرع) وكيفيتها. فماهية هذه القوانين تفيد أنها قد شُرِّعت لأجل تكوين دولة، ولاجل الإدارة السياسية والأقتصادية والثقافية للمجتمع إذ انها:

أولاً: تشتمل قوانين الشرع على قوانين ومقررات متنوعة تبني نظاماً اجتماعياً شاملاً. ويتوفر في هذا النظام الحقوقي كل ما يحتاجه البشر، من نمط التعامل مع الزوجة والأولاد والعشيرة والقوم وأهل البلد والأمور الخاصة والحياة الزوجية، إلى المقررات المتعلقة بالحرب والصلح والتعامل مع سائر الشعوب.

ومن القوانين الجزائية، إلى قوانين التجارة والصناعة والزراعة. ففيها قوانين لمرحلة ما قبل النكاح وانعقاد النطفة، وتبين كيف يجب أن يتم النكاح، وماذا ينبغي أن يكون طعام الإنسان عندها، أو أثناء انعقاد النطفة، وما هي تكاليف الأبوين فترة الرضاعة، وكيف يجب أن يربى الطفل، وكيف يجب أن يتعامل الرجل والمرأة مع بعضهما، ومع أولادهما. فيوجد فيها قانون لجميع هذه المراحل، لتربِّي الإنسان فردا كاملا فاضلا، يجسد القانون ويعمل على تطبيقه تلقائياً. ويتضح بهذا إلى أي حد يَهتمُّ الإسلام بالحكومة والعلاقات السياسية والاقتصادية للمجتمع، لكي يوفر كل الظروف لأجل تربية الانسان المهذب الفاضل. فالقرآن الكريم والسنة الشريفة يشتملان على جميع القوانين والأحكام التي يحتاجها الانسان لسعادته وكماله.

في كتاب الكافي فصل تحت عنوان أن (.. جميع ما يحتاج الناس اليه إلا وقد جاء فيه كتاب أو سنة) والكتاب أي القرآن {تبيان كل شيء} ويُقْسِمُ الامام (حسب الروايات) أن كل ما يحتاج إليه الناس موجود في الكتاب والسنة وهذا لا شك فيه.

ثانياً: بالتدقيق في ماهية وكيفية أحكام الشرع نجد أن تنفيذها والعمل بها مستلزم لتشكيل الحكومة، وأنه لا يمكن العمل بوظيفة تطبيق الأحكام الإلهية دون تأسيس سلطة عظيمة وواسعة للتنفيذ والادارة.

ونحن لحد الآن إنما ذكرنا بعض الموارد، وعلى السادة أن يراجعوا الموارد الاخرى.

1 ـ الأحكام المالية

الضرائب التي فرضها الإسلام والميزانية التي طرحها تدل على أنها ليست لمجرد سد رمق الفقراء من السادة الهاشميين وغيرهم، وإنما لأجل تشكيل حكومة، وتأمين المصارف الضرورية لدولة كبيرة.

مثلاً: الخمس أحد الموارد الضخمة التي تصب في بيت المال، ويشكل أحد مصادر الميزانية، وبحسب مذهبنا يؤخذ الخمس بشكل عادل من جميع المصالح، سواء الزراعة أو التجارة، أو المصادر المخزونة في جوف الارض، أو الموجودة فوقها. وبشكل عام من جميع المنافع والعوائد. بنحو يشمل الجميع من بائع الخضار على باب المسجد، إلى العامل في السفن، أو من يستخرج المعادن. فهؤلاء عليهم دفع الخمس من أرباحهم بعد صرف المصارف المتعارفة إلى الحاكم الإسلامي لكي يضعه في بيت المال. ومن البديهي أن مورداً بهذه العظمة إنما هو لأجل إدارة بلد إسلامي، وسد جميع حاجاته المالية. فعندما نحسب خمس أرباح البلاد الإسلامية، أو جميع انحاء الدنيا ـ فيما لو صارت تحت الحكم الإسلامي ـ يتضح لنا أن الهدف في وضع ضريبة كهذه ليس مجرد سد حاجة السادة الهاشميين وعلماء الدين، بل ان القضية أهم من ذلك. فالهدف هو سد الحاجة المالية لجهاز حكومي كبير. ففيما لو قامت الحكومة الإسلامية فيجب أن تدار بواسطة هذه الضرائب، من الخمس والزكاة ـ ومقدار الزكاة بالطبع ليس كبيراً ـ والجزية والخراج (أو الضرائب على الأراضي الوطنية الزراعية.(

فالسادة الهاشميون ليسوا بحاجة إلى ميزانية كهذه، إذ خمس أرباح سوق بغداد يكفي للسادة ولجميع الحوزات العلمية، وجميع فقراء المسلمين، فضلاً عن أسواق طهران واسطنبول والقاهرة وسائر الاسواق. فتعيين ميزانية بهذه الضخامة يدل على أن الهدف هو تشكيل حكومة وإدارة بلد. وقد جعلت للقيام بالحاجات الاساسية للشعب والخدمات العامة، التي تشمل الشؤون الطبية والثقافية والدفاعية والعمرانية. خصوصاً مع ذلك النظام الذي حدده الإسلام لجمعها وحفظها ومصرفها، بنحو لا يقع أي حيف وميل في الخزينة العامة، ودون أن يكون ثمة امتياز لأحد من الولاة أو المتصدين للخدمات العامة ـ أي موظفي الدولة ـ على سائر الناس العاديين في الاستفادة من الارباح والاموال العامة. وإنما ينالون حصصاً متسأوية. فهل يجب أن نرمي هذه الميزانية الضخمة في البحر؟ أو ندفنها حتى يظهر صاحب الأمر (ع) ؟ أو لكي يأكلها ذلك اليوم خمسون شخصاً من السادة الهاشميين؟ أو لنفرض أنها اليوم لخمسين ألف من السادة حيث لن يعرفوا ماذا يفعلون بها؟ مع أنه نعلم أن حق السادة والفقراء انما هو بمقدار يكفيهم للمعاش، غاية الامر أن خطة الميزانية في الإسلام هي بهذا النحو حيث يجعل لكل من الواردات مصارف أصلية معينة. فيكون هناك صندوق للزكاة وآخر للصدقات والتبرعات وثالث للخمس. والسادة الهاشميون يؤمن معاشهم من الصندوق الاخير. وفي الحديث أنه يجب على السادة أن يدفعوا الفاضل عن مصارفهم إلى الحاكم الإسلامي. واذا أحتاجوا (ولم يكفهم السهم) يساعدهم الحاكم.

ومن جهة أخرى فالجزية المجعولة على أهل الذمة والخراج الذي يؤخذ على الاراضي الزراعية الواسعة يؤمنان موارد ضخمة. فوضع ضرائب كهذه يدل على لزوم الحاكم والحكومة. ان وظيفة الحاكم والوالي هي أن يضع الضرائب على أهل الذمة بحسب استطاعتهم المالية على رؤوسهم، أو يأخذ ضرائب متناسبة على مزارعهم ومواشيهم. وكذلك الخراج يعني جمع الضرائب على الاراضي الواسعة التي هي مال الله وفي تصرف الدولة الإسلامية. ولا يمكن حصوله بالفوضى. والمسؤولون عن الحكومة الإسلامية هم المكلفون بتحديد ضرائب كهذه من ناحية المقدار والمتناسب وفقا للمصلحة، ومن ثم القيام بجمعها وصرفها في مصالح المسلمين.

فكما تلاحظون فإن الأحكام المالية للإسلام تدل على لزوم تشكيل الحكومة، ولا يمكن تطبيقها إلا عن طريق إقامة النظام الإسلامي.

2 ـ أحكام الدفاع الوطني

ومن ناحية اخرى فإن الأحكام التي تتعلق بحفظ نظام الإسلام والدفاع عن جميع أراضي الأمة الإسلامية واستقلالها تدل على لزوم تشكيل الحكومة .

فمثلاً هذا الحكم: {واعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل}

والذي هو أمر بالاستعداد وحشد ما امكن من القوى المسلحة المدافعة بشكل عام، وأمر بالتهيؤ والمراقبة الدائمة في فترة الصلح والهدوء.

لو عمل المسلمون بهذا الحكم، وقاموا بالحشد الواسع من خلال تشكيل حكومة إسلامية، وكانوا في حالة استعداد قتالي كامل، لما تجرأت حفنة من اليهود على احتلال أرضنا وتخريب المسجد الأقصى وحرقه، دون أن يتمكن الشعب من القيام برد فعل فوري. فكل هذا نتيجة عدم قيام المسلمين بتنفيذ حكم الله، وتشكيل الحكومة الصالحة والمطلوبة. ولو كان حكام البلاد الإسلامية ممثلين للشعب المؤمن ومنفذين للأحكام الإسلامية، لوضعوا الخلافات الصغيرة جانباً، وتخلوا عن التفرقة والتخريب، وصاروا يداً واحدة فعندها ما كانت حفنة من اليهود الاشقياء العملاء لأمريكا وانكلترا والأجانب لتستطيع القيام بهذه الاعمال حتى ولو كانت أمريكا وانكلترا داعمتين لها. فما حصل ناتج عن تراخي حكام المسلمين .

آية {وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة...} تأمر بامتلاك القوة والاستعداد ما امكن، لكيلا يتمكن الاعداء من ظلمنا والاعتداء علينا. فنحن ـ وبسبب عدم كوننا متحدين وأولي قوة ومستعدين ـ وقعنا فريسة اعتداءات الأجانب وظلمهم ولا نزال.

3 ـ أحكام احقاق الحقوق، والأحكام الجزائية

إن الكثير من الأحكام من قبيل الديات التي يجب أن تؤخذ وتؤدى لاصحابها، أو الحدود والقصاص التي يجب أن تنفذ بإشراف الحاكم الإسلامي، لا تتحقق من دون إقامة أجهزة حكومية. فجميع هذه القوانين ترتبط بتنظيم الدولة، ولا يمكن إنجاز هذه الأمور إلا من قبل السلطة الحكومية.

ضرورة الثورة السياسية

بعد رحلة الرسول الأكرم (ص) لم يسمح المعاندون وبنو امية لعنهم الله باستقرار الحكومة الإسلامية بولاية علي بن أبي طالب (ع). لم يسمحوا بتحقق الحكومة التي كانت مرضية عند الله تعالى وعند الرسول الأكرم (ص) وفي النتيجة بدَّلوا اساس الحكومة. وكان نهج حكومتهم في معظمه يغاير النهج الإسلامي. لقد كان نظام الحكم ونمط الادارة والسياسة عند بني أمية وبني العباس ضد الإسلام، فصار نظام الحكم مقلوباً بشكل كامل وتحول إلى سلطنة. كمثل نظام الملكية في ايران وامبراطورية الروم وفراعنة مصر. واستمر في العهود التالية بهذا النحو غير الإسلامي غالباً، إلى أن وصلنا إلى الحال التي نراها.

الشرع والعقل يحكمان بأن لا نسمح باستمرار وضع الحكومات بهذه الصورة غير الإسلامية أو المعادية للإسلام. واسباب هذا الامر واضحة.

اذ ان إقامة نظام غير إسلامي يعني عدم تطبيق النظام السياسي للإسلام وكذلك فإن كل نظام سياسي غير إسلامي هو نظام يحمل الشرك، لأن حكامه الطاغوت ونحن مكلفون بتصفية آثار الشرك من مجتمعاتنا الإسلامية ومن حياتنا.

وحيث اننا مكلفون بتأمين الظروف الاجتماعية المساعدة لتربية العناصر المؤمنة والفاضلة أيضاً. وهذه الظروف تعاكس ظروف حاكمية الطاغوت والسلطات غير الشرعية بشكل كامل. فالظروف الاجتماعية الناشئة من حاكمية الطاغوت ونظام الشرك يترتب عليها هذه المفاسد التي نراها. وهذا هو الفساد في الارض الذي يجب أن يزال من الوجود، وينال مسببوه عقابهم، وهذا هو نفس الفساد الذي أوجده فرعون في مصر بسياسته {إنه كان من المفسدين}. ففي هذه الظروف الاجتماعية والسياسية لا يستطيع الانسان المؤمن والمتقي والعادل العيش مع بقائه على ايمانه وعمله الصالح. يبقى امامه طريقان: إما الاضطرار إلى ارتكاب الأعمال الطالحة والتي فيها شرك، أو معارضة الطواغيت ومحاربتهم لازالة تلك الظروف الفاسدة فراراً من ارتكاب تلك الاعمال، ومن الخضوع لأوامر الطواغيت وقوانينهم. اننا لا نجد حيلة سوى القضاء على الاجهزه الحكومية الفاسدة والمفسدة، واسقاط الحكومات الخائنة والفاسدة والظالمة الجائرة. هذه هي الوظيفة التي يجب على المسلمين في كل بلد من البلدان الإسلامية القيام بها، والوصول بالثورة السياسية الإسلامية إلى النصر.

ضرورة الوحدة الإسلامية

ومن جهة اخرى فإن المستعمرين والحكام المستبدين وطالبي الجاه قد قسموا الوطن الإسلامي، وفصلوا الامة عن بعضها، وجعلوها شعوباً متفرقة، كما قام المستعمرون بتقسيم الدولة العثمانية الكبرى في زمانها. فقد اتحدت روسيا وانكلترا والنمسا وسائر الدول الاستعمارية، ودخلوا معها في حروب، ومن ثم احتلت كل دولة منهم قسماً من مناطقها. ولئن كان حكام الدولة العثمانية لا يتمتعون باللياقة المطلوبة، وبعضهم كان فاسداً، وكان نظامهم نظام سلطنة، لكن كان لايزال خطر ظهور اشخاص صالحين من بين الشعب قائماً بالنسبة للمستعمرين، لأنه ربما قام هؤلاء باستلام الحكم بمساعدة من الناس، وقضوا على وجود الاستعمار. لذا قاموا بتقسيمها في الحرب العالمية الأولى، وبعد حروب متعددة، حيث تحولت المناطق التي كانت تحكمها إلى دول صغيرة تبلغ بين عشرة إلى خمسة عشر دولة، سلموا كل واحدة منها إلى أحد عملائهم. وفيما بعد خرجت بعض هذه الدول من ايدي اتباع الاستعمار وعملائه.

لا سبيل لدينا ـ لتحقيق وحدة امتنا الإسلامية، واخراج وطننا الإسلامي وتحريرة من تحت سيطرة ونفوذ المستعمرين، والدول العميلة له ـ سوى بتأسيس دولة. اذ لكي نحقق الوحدة والحرية للشعوب الإسلامية يجب إسقاط الحكومات الظالمة والعميلة، ومن ثم إقامة الحكومة الإسلامية العادلة التي تكون في خدمة الناس. فتأسيس الحكومة هو لأجل حفظ نظام ووحدة المسلمين، كما تقول الزهراء (ع) في خطبتها من أن الأمامة هي لأجل حفظ النظام، وتبديل افتراق المسلمين إلى اتحاد.

ضرورة انقاذ الشعب المظلوم والمحروم

وبالاضافة إلى ذلك فان المستعمرين قد فرضوا ـ ومن خلال عملائهم السياسيين الذي سلطوهم على الناس ـ انظمة اقتصادية ظالمة قسمت الشعب إلى فئتين: ظالم ومظلوم. فصار يقف من هذا الجانب مئات الملايين من المسلمين الجياع والمحرومين من الطبابة والعلم، بينما يقف إلى تلك الجهة عدد قليل نسبياً من الاثرياء وأصحاب التأثير سياسياً من المترفين والفاسدين.

وصار الشعب الجائع والمحروم يسعى باستمرار لانقاذ نفسه من ظلم الحكام الناهبين، وتحسين وضع معيشته. لكن الأقلية الحاكمة والاجهزة الحكومية الجائرة تمنعهم من تحقيق ذلك. نحن مكلفون بانقاذ الشعب المظلوم والمحروم. نحن مكلفون بأن ندعم المظلومين وأن نكون اعداء الظالمين. وهذا هو التكليف الذي ينبَّه عليه امير المؤمنين (ع) في وصيته المعروفة لولديه العظيمين حيث يقول: وكونا للظالم خصماً وللمظلوم عوناً.

علماء الإسلام مكلفون بمحاربة استغلال واحتكار الظالمين، وبعدم السماح للجوع والحرمان بالتفشي في أوساط الكثير من أفراد الأمة، بينما يعيش الظلمة والناهبون وآكلوا المال الحرام في نعمة ورفاه. يذكر أمير المؤمنين (ع) ان السبب الذي يدعوه إلى قبول الحكم هو الميثاق الذي اخذه الله تعالى على العلماء، من ألاّ يسكتوا أمام جشع الظالمين ونهبهم، وجوع المظلومين وحرمانهم. يقول (ع) : «أما والذي فلق الحبة وبرأ النسمة، لولا حضور الحاضر، وقيام الحجة بوجود الناصر، وما اخذ الله على العلماء أن لا يقاروا على كظمة ظالم ولا سغب مظلوم، لألقيت حبلها على غاربها، ولسقيْت آخرها بكأس أولها، ولألفيتم دنياكم هذه أزهد عندي من عفطة عنز.»

كيف نستطيع أن نبقى ساكتين اليوم ونحن نرى أن عدداً من الخونة واللصوص عملاء الاجانب قد اغتالوا ـ بالقوة، وبمساعدة من الأجانب ـ ثروات وحاصل أتعاب مئات الملايين من المسلمين، ولا يسمحون لهم بالاستفادة من الحد الأدنى من النعم (والحاجات) ؟

إن وظيفة علماء الإسلام وجميع المسلمين هي: ان ينهوا هذا الوضع الظالم، وأن يسقطوا في هذا السبيل ـ الذي هو سبيل إسعاد مئات الملايين من البشر ـ الحكومات الظالمة ويقيموا الحكومة الإسلامية.

ضرورة الحكومة من خلال الاحاديث

إن تأسيس الحكومة أمر لازم بحسب ضرورة العقل والأحكام الإسلامية ونهج الرسول الأكرم (ص) وأمير المؤمنين (ع)، وبحسب مفاد كثير من الآيات والروايات. وكنموذج على ذلك أذكر هذه الرواية المنقولة عن الامام الرضا (ع):

روى عبدالواحد بن محمد بن عبدوس النيسابوري العطار، قال: حدثني ابو الحسن علي بن محمد بن قُتيْبَة النيسابوري، قال: قال ابو محمد الفضل بن شاذان النيسابوري: أن سأل سائل فقال: أخبرني هل يجوز ان يكلَّف الحكيم ... فإن قال قائل: ولم جعل أولى الامر وأمر بطاعتهم؟ قيل: لعلل كثيرة. منها: أن الخلق لما وُقِفَوا على حد محدود، وأمروا أن لا يتعدوا تلك الحدود ـ لما فيه من فسادهم ـ لم يكن يثبت ذلك ولا يقوم إلا بأن يجعل عليهم فيها أميناً يأخذهم بالوقف عندما أُبيح لهم، ويمنعهم من التعدي على ما حَظَرَ عليهم، لأنه لو لم يكن ذلك لكان أحدٌ لا يترك لذته ومنفعته لفساد غيره. فَجُعِلَ عليهم قيِّمٌ يمنعهم من الفساد، ويقيم فيهم الحدود والأحكام. ومنها: أننا لا نجد فرقة من الفرق ولا ملة من الملل بَقوا وعاشوا الا بقيَّم ورئيس لما لابد لهم منه في أمر الدين والدنيا. فلم يَجُزْ في حكمة الحكيم أن يترك الخلق مما يعلم انه لابد لهم منه، ولا قوام لهم إلا به، فيقاتلون به عدوهم، ويقسمون به فيئهم، ويقيمون به جمعهم، وجماعتهم، ويُمْنَعْ ظالمهم من مظلومهم. ومنها: أنه لو لم يجعل لهم إماماً قيِّماً اميناً حافظاً مستودعاً لدرست الملة، وذهب الدين وغُيَّرت السنن والأحكام، ولزاد فيه المبتدعون، ونقص منه الملحدون، وشبَّهوا ذلك على المسلمين. إذ قد وجدنا الخلق منقوصين محتاجين غير كاملين مع اختلافهم واختلاف أهوائهم وتشتت حالاتهم، فلو لم يجعل قيَّماً حافظاً لما جاء به الرسول الأول، لفسدوا على نحوا ما بيَّناه وغُيَّرت الشرائع والسنن والأحكام والأيمان، وكان في ذلك فساد الخلق اجمعين!!.

وكما يستنبط من كلام الامام (ع) فهناك أسباب وعلل عديدة تستدعي لزوم تشكيل الحكومة وتولي ولي الأمر. وهذه العلل والاسباب والجهات ليست ظرفية ولا محدودة بزمان، فلزوم تشكيل الحكومة في النتيجة أمر مستمر. فتعدي الناس مثلا عن حدود الإسلام، وتجأوزهم لحقوق الآخرين، وغصبهم لها لأجل تأمين اللذة والمنفعة الشخصية أمر يحصل باستمرار. فلا يمكن القول أن هذا إنما كان في زمان أمير المؤمنين (ع) لكن الناس بعده صاروا ملائكة! لقد شاءت حكمة الخالق أن يعيش الناس بالعدل، وأن يتحركوا ضمن حدود الأحكام الإلهية.

 

فهذه الحكمة دائمة، ومن السنن الإلهية التي لا تقبل التغيير. وبناءً عليه فهناك ضرورة ـ في أيامنا هذه وعلى الدوام ـ لوجود ولي للأمر، أي حاكم قيم على النظام والقانون الإسلامي، حاكم يمنع الظلم والتجأوز والتعدي على حقوق الآخرين، ويكون أميناً وحارساً لخلق الله، وهادياً للناس إلى التعاليم والعقائد والأحكام والنُظم الإسلامية، ويقف امام البدع التي يضعها الاعداء والملحدون في الدين وفي القوانين والنظم. أولم تكن خلافة أمير المؤمنين (ع) لأجل هذا الأمر؟ فتلك العلل والضرورات التي جعلته (ع) حاكماً لا تزال موجودة هذه الأيام أيضاً، مع فارق أنه الآن لا يوجد شخص معين، وإنما صار المنصوب هو العنوان وذلك ليبقى محفوظاً إلى الأبد.

إذن إن كان من الواجب بقاء أحكام الإسلام، والوقوف بوجه تعديات الاجهزة الحاكمة الظالمة على حقوق الشعب الضعيف، ومنع الأقلية الحاكمة من تأمين مصالحهم وملاذهم من خلال نهب الشعب وإفساده. واذا كان واجبا إقامة النظام الإسلامي، والتعامل مع الجميع بطريقة الإسلام العادلة، وعدم التخطي عنها. وإذا كان واجباً الوقوف بوجه البدع ووضع القوانين المخالفة للإسلام بواسطة المجالس المزورة. وإذا كان واجباً إزالة نفوذ الأجانب من البلاد الإسلامية، فالحكومة أمر لازم. إذ أن هذه الأمور لا تتم دون حكومة ومؤسسات، وبالطبع فالمطلوب هو الحكومة الصالحة، والحاكم الذي يكون قيِّماً أميناً وصالحاً. وإلا فإن الحكام الموجودين لا ينفعون، لأنهم ظلمة وفاسدون ولا يملكون اللياقة المطلوبة.

في الماضي، وحيث أننا لم ننهض لأجل تأسيس الحكومة، وازالة تسلط الحكام الخونة والفاسدين بشكل جماعي ومنسق، والبعض منا تراخى في اداء المطلوب، بل حتى انه انزعج من القيام بالعمل التوجيهي والتبليغي، بل بالعكس حتى لقد كانوا دعاة للحكام الظلمة. لهذه الأسباب صارت الأوضاع بهذا النحو، فضعف نفوذ الإسلام وحاكميته في المجتمع، وابتليت الامة الإسلامية بالتقسيم والعجز، وتعطلت أحكام الإسلام، وغُيَّرت وبُدِّلت، وقام المستعمرون ـ من خلال عملائهم السياسيين، ولاجل تحقيق اغراضهم المشؤومة ـ بترويج القوانين والثقافة الاجنبية بين المسلمين، وحولوا الناس إلى مغتربين. وكل هذا كان بسبب عدم امتلاكنا لقيِّم ورئيس، وسلطة قيادية. ونحن نحتاج لمؤسسات حكومية صالحة، وهذا الأمر من البديهيات.

نمط الحكومة الإسلامية واختلافها مع سائر أنماط الحكومات

الحكومة الإسلامية ليست كأي نوع من انماط الحكومات الموجودة. فهي مثلاً: ليست استبدادية، بحيث يكون رئيس الدولة مستبدّاً ومتفرداً برأيه، ليجعل أرواح الشعب وامواله ألعوبة يتصرف فيها بحسب هواه، فيقتل من يشاء، وينعم على من يشاء، ويهب من يشاء من اموال الشعب واملاكه. فرسول الله (ص) وامير المؤمنين (ع) وكذلك سائر الخلفاء لم يكن لهم هذه الصلاحيات. فالحكومة الإسلامية لا هي استبدادية ولا مطلقة، وانما هي مشروطة. وبالطبع ليست مشروطة بالمعنى المتعارف لها هذه الايام، حيث يكون وضع القوانين تابعاً لآراء الاشخاص والأكثرية. وإنما مشروطة من ناحية ان الحكام يكونون مقيدين في التنفيذ والادارة بمجموعة من الشروط التي حددها القرآن الكريم والسنَّة الشريفة للرسول الأكرم (ص). ومجموعة الشروط هي نفس تلك الأحكام والقوانين الإسلامية التي يجب أن تُراعى وتنفذ. ومن هنا فالحكومة الإسلامية هي حكومة القانون الالهي على الناس.

الفرق الاساسي للحكومة الإسلامية مع حكومات الملكية المشروطة، والجمهورية هو في كون ممثلي الشعب أو الملك هم الذين يقومون بعملية التشريع في مثل هذه الأنظمة، بينما في الحكومة الإسلامية يختص التشريع بالله تعالى. فالشارع المقدس في الإسلام هو السلطة التشريعية الوحيدة. فلا حقَّ لأحدٍ بوضع القوانين، ولا يمكن وضع أي قانون غير حكم الشارع موضع التنفيذ. لذا ففي الحكومة الإسلامية بدلاً من مجلس التشريع الذي يشكل احدى السلطات الثلاث في الحكم يكون هناك مجلس تخطيط يضع الخطط لمختلف الوزارات من خلال أحكام الإسلام، وتحدد كيفية أداء الخدمات العامة في جميع أنحاء البلاد من خلال هذه المخططات.

إن القوانين الإسلامية التي وردت في القرآن والسنة يتلقاها المسلمون بالقبول والطاعة. وهذا مما يسهل عمل الحكومة، ويجعلها مرتبطة بالشعب، بينما في الحكومات الجمهورية والملكية المشروطة فإن غالبية الذين يعتبرون أنفسهم ممثلي أكثرية الشعب يضعون ما يشاؤون ويسمونه قانون ومن ثم يفرضونه على الشعب.

حكومة الإسلام هي حكومة القانون. وفي هذا النمط من الحكومة تنحصر الحاكمية بالله والقانون ـ الذي هو أمر الله وحكمه ـ فقانون الإسلام أو أمر الله له تسلط كامل على جميع الأفراد وعلى الدولة الإسلامية. فالجميع بدءاً من الرسول الأكرم (ص) ومروراً بخلفائه وسائر الناس تابعون للقانون ـ وإلى الأبد ـ لنفس ذلك القانون النازل من عند الله، والمبلَّغ بلسان القرآن والنبي (ص). إذا كان النبي (ص) قد تولى الخلافة، فقد كان ذلك بأمر من الله، إذ أن الله تعالى هو الذي جعله (ص) خليفة. خليفة الله في الارض لا أنه قام بتشكيل الحكومة من نفسه وأراد أن يكون رئيساً على المسلمين. كما انه حيث كان يحتمل حصول الخلاف بين الأمة بعد رحيله ـ إذ كانوا حديثي عهد بالإسلام والايمان ـ فقد الزم الله تعالى الرسول (ص) بأن يقف فوراً وسط الصحراء ليبلّغ أمر الخلافة. فقام الرسول (ص) بحكم القانون واتَّباعاً لحكم القانون بتعيين أمير المؤمنين (ع) للخلافة، لا لكونه صهره، أو لأنه كان قد أدى بعض الخدمات، وإنما لأنه (ص) كان مأموراً وتابعاً لحكم الله، ومنفذاً لأمر الله.

أجل، فالحكومة في الإسلام تعني اتباع القانون، والقانون وحده هو الحاكم في المجتمع.

فحيث اعطيت صلاحيات محدودة للرسول الأكرم (ص) وللولاة، فانما كان ذلك من الله. وفي كل وقت كان يقوم فيه النبي (ص) ببيان أمر أو إبلاغ حكم، فإنما يكون ذلك منه إتباعاً لحكم الله وقانونه. واتباع الرسول (ص) إنما هو أيضاً بحكم من الله حيث يقول تعالى: {وأطيعوا الرسول} اتباع أولي الأمر أيضاً بحكم من الله حيث يقول تعالى: {وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم}، فرأي الاشخاص وحتى رأي الرسول الأكرم (ص) ليس له أي دور في الحكومة والقانون الإلهي، فالجميع تابعون لإرادة الله تعالى.

والحكومة الإسلامية ليست سلطنة ملكية ولا امبراطورية

. ففي هذا النوع من الحكومات يكون الحكام مسلطون على ارواح واموال الناس، وهم يتصرفون فيها بحسب آرائهم، والإسلام يجلُّ عن هذا النهج والنمط من الحكم. ولذا لا تجد في الحكومة الإسلامية ـ وخلافاً لأنظمة السلطنة والملكية والامبراطورية ـ آثر للقصور الكبيرة، والعمارات المجللة، والخدم والحشم، والمكاتب الخاصة، ومكاتب ولي العهد، وسائر لوازم السلطنة، والتي تقضي على نصف أو على قسم كبير من ميزانية البلاد. كلكم تعرفون كيف كانت حياة النبي الأكرم (ص) الذي كان رئيس الدولة الإسلامية وحاكمها. وقد استمرت هذه السيرة بعده (ص) إلى عهد بني أمية. وان كانوا قد خالفوا في أمور أخرى، وظهر الانحراف الفاحش في عهد عثمان وذلك الانحراف هو الذي أوصلنا اليوم إلى هذه المصائب. وقد أصلح نهج الحكومة في عهد أمير المؤمنين (ع)، وكان مسارها الصلاح والاستقامة. ومع أنه (ع) كان يحكم بلاداً واسعة، كانت ايران ومصر والحجاز واليمن من مناطقها، فقد كان يعيش حياة لا يقدر عليها حتى طالب العلم الفقير. بحسب المروي فقد اشترى يوماً قميصين اعطى الأفضل منها لخادمه قنبر، والآخر ـ لما كانت أكمامه طويلة ـ فقد قام بقطع الزائد منها، وارتداه بأكمامه الممزقة. هذا مع كونه حاكماً لبلاد كبيرة في المساحة وعدد السكان، وكثيرة الموارد. فلو كانت هذه السيرة محفوظة، وكان الحكم على الطريقة الإسلامية، لما حصل كل هذا التسلط على أرواح الناس واموالهم، ولا الملكية ولا السلطنة، ولا كل هذه المظالم والنهب والسرقة للخزينة العامة، ولا كل هذه المنكرات والفواحش. إذ ان الكثير من المفاسد إنما تنشأ من هذه الاجهزة والعوائل الحاكمة المستبدَّة. فهؤلاء الحكم هم الذين يقيمون اماكن الفساد، ويبنون مراكز الفحشاء والخمور، ويصرفون الموقوفات على دور السينما. لو لم يكن هذا البذخ الملوكي، وهذا التبذير والاختلاس موجوداً لما أصيبت خزينة البلاد بالعجز حتى يخضعوا من ثمَّ لأمريكا وانكلترا طلباً للقروض والمساعدات. إن البلاد أضحت محتاجة بسبب هذا التبذير والاسراف، وإلا فهل كان نفطنا قليلاً أو أننا لا نمتلك المعادن والثروات؟ اننا نمتلك كل شيء، لكن هذه الهبات والاختلاسات، وهذا التلاعب الذي يجري كله على حساب الشعب والخزينة العامة قد أوقع البلاد في العجز. لو لم تكن هذه الأمور موجودة لما كان هناك حاجة للذهاب إلى إمريكا ليتذلل (الشاه) هناك أمام طأولة ذلك الرجيل (رئيس جمهورية أمريكا) طالباً المساعدة.

ومن جهة اخرى فالتشكيلات الادارية الزائدة، ونمط الادارة الذي يعتمد على اختلاق الملفات وكتابنا وكتابكم ذلك الاسلوب البعيد عن الإسلام، يفرض على البلاد مصاريف لا تقل عن النوع الأول من المصاريف المحرمة. هذا النظام الاداري بعيد عن الإسلام. وهذه التقليدات الزائدة التي لا تورث الناس سوى التعب والتعطيل وزيادة المصارف ليست من الإسلام.

فمثلاً ذلك النمط الذي حدده الإسلام من اجل احقاق الحقوق، والفصل في الدعأوي، واجراء الحدود والقانون الجزائي بسيط وعملي وسريع للغاية. فعندما كان يُعمل بالقانون القضائي الإسلامي كان قاضي الشرع في المدينة يفصل الخصومات بمعأونة موظفين أو ثلاثة موظفين وقلم ودواة، ومن ثم يخلَّي بين الناس وأعمالهم وحياتهم العادية.

أما الآن فالله يعلم كثرة هذه التشكيلات الادارية للمحاكم ورسومها وتقيداتها، ومع هذا لا ينجز أي عمل أيضاً. فهؤلاء هم الذين يوقعون البلاد في الفقر دونما نتيجة سوى التعب وضياع الوقت.

شروط الحاكم

الشروط اللازمة للحاكم ناشئة من طبيعة نمط الحكومة الإسلامية بشكل مباشر. فبعد الشروط العامة مثل العقل والتدبير، هناك شرطان أساسيان هما:

1ـ العلم بالقانون.

2ـ العدالة.

عندما اختلف بعد رسول الله (ص) حول من يجب أن يتولى الخلافة، لم يبرز أي اختلاف بين المسلمين في أن الخليفة يجب ان يكون الفاضل، وانما كان الاختلاف في موضوعين فحسب:

1ـ بما ان حكومة الإسلام هي حكومة القانون، فالعلم بالقانون بالنسبة للحاكم، يكون امراً ضرورياً كما ورد في الرواية. وليس فقط للحاكم، بل للجميع مهما كان عملهم أو مرتبتهم.

فالعلم بأمر كهذا ضروري. غاية الامر أن الحاكم يجب أن يكون الافضل من الناحية العلمية. ولقد استدل ائمتنا (ع) لامامتهم أيضاً بأن الامام يجب أن يكون أفضل من الآخرين. كما كانت اشكالات الشيعة على الآخرين حول أن الخليفة سئل السؤال الفلاني فلم يتمكن من الاجابة، فهو إذن لم يكن يليق بالخلافة والامامة، وقد قام بالعمل الفلاني مخالفاً للأحكام الإسلامية، فهو لا يليق بالامامة وما شابه. فالعلم بالقانون والعدالة بالنسبة للمسلمين شرطان وركنان أساسيان في أمر الامامة، ولا دخالة ولا ضرورة لشيء آخر فيها، كالعلم بكيفية الملائكة مثلاً، أو بأوصاف الصانع تبارك وتعالى. فهذه كلها لا دخل لها في موضوع الامامة، كما انه لو صار شخص ما عالما بجميع العلوم الطبيعية، واكتشف كل قواها، أو كان عارفاً بالموسيقى بشكل جيد، فلا يعني ذلك أنه لائق بالخلافة، ولا يكتسب بهذا أولوية تولي الحكومة على العدول العلماء بالقانون الإسلامي، ليس لتلك الأمور علاقة بالخلافة، وقد تم الكلام والبحث حول زمان الرسول (ص) وائمتنا (ع)، وكان مسلَّماً بين المسلمين أيضاً، وهو أن الخليفة والحاكم يجب أن يكون عارفاً أولاً بالأحكام الإسلامية، اي عالماً بالقانون، وأن يكون عادلاً ثانياً، ويتمتع بالكمال العقائدي والاخلاقي، والعقل يقتضي ذلك. إذ أن الحكومة الإسلامية هي حكومة القانون، وليست حكومة الأهواء والاشخاص على الناس. فإذا لم يكن الحاكم عارفاً بالقانون فهو لا يليق للحكومة، لأنه إذا قلَّد الغير تضعف قوة الحكومة، واذا لم يقلد، ولم يرجع للغير لا يستطيع أن يكون حاكماً ومنفذاً لقانون الإسلام، وهذا أمر مسلم إذ أن الفقهاء حكام على السلاطين فلو كان السلاطين متبعين للإسلام، فيجب أن يتبعوا الفقهاء ويسألونهم عن القوانين والأحكام، ومن ثم ينفذونها. وفي هذه الصورة يكون الحكام الحقيقيون هم الفقهاء. إذن يجب أن تكون الحاكمية رسميا للفقيه، لا لأولئك المضطرين لاتباع الفقهاء نتيجة جهلهم بالقانون. وبالطبع فليس من اللازم معرفة المسؤولين والقادة والموظفين الاداريين بكل القوانين الإسلامية، ولا أن يكونوا فقهاء. وانما يكفي أن يعرفوا القوانين التي لها علاقة بعملهم. كما كان الأمر في زمن الرسول (ص) وأمير المؤمنين (ع). فالحاكم ولي الأمر يجب أن يكون حائزاً لهذين الشرطين (العلم والعدالة) لكن المعأونين والمسؤولين والمبعوثين إلى المناطق المختلفة يجب أن يكونوا عارفين بالقوانين ذات العلاقة باعمالهم، ويرجعون في الأمورالأخرى إلى مصدر الامر.

2ـ الحاكم يجب أن يكون عادلاً ومتمتعاً بالكمال العقائدي والاخلاقي، والا يكون ملوثاً بالمعاصي. فالذي يريد إقامة الحدود، وتطبيق القانون الجزائي الإسلامي، وادارة بيت المال، وموارد البلاد ومصارفها، والذي يمنحه الله صلاحية إدارة عباده، يجب الا يكون من أهل المعاصي: {لا ينال عهدي الظالمين} فالله تعالى لا يمنح صلاحيات كهذه للجائر. والحاكم إذا لم يكن عادلاً فإنه لن يتصرف بعدالة في أداء حقوق المسلمين، وأخذ الضرائب وصرفها بشكل صحيح، وفي تنفيذ القانون الجزائي. ومن الممكن حينها أن يحمل اعوانه وأنصاره واقرباءه على رقاب الناس، وأن يصرف بيت مال المسلمين في أغراضه الشخصية وأهوائه.

بناءً على هذا فنظرية الشيعة حول نمط الحكومة ومن الذي يجب ان يتولاها في مرحلة ما بعد رحيل الرسول (ص) إلى زمان الغيبة واضحة. اذ بمقتضاها يجب أن يكون الإمام هو الأفضل، وعالماً بالأحكام والقوانين، وعادلاً في تنفيذها.

شروط الحاكم في عصر الغبية

والآن في عصر غيبة الإمام (ع)، وحيث قد تقرر ان أحكام الإسلام ذات الارتباط بالحكم باقية ومستمرة، وان الفوضى امر غير جائز، فيكون تشكيل الحكومة أمراً واجباً. والعقل يحكم بلزوم تشكيل الأجهزة أيضاً لتأمين القدرة على الدفاع فيما لو هوجمنا، ولنستطيع رد الهجوم عن نواميس المسلمين فيما لو تعرضوا لذلك. كما ان الشرع المقدس أمر بلزوم الاستعداد الدائم للدفاع امام من ينوون الاعتداء علينا. وكذلك من الضروري وجود حكومة، وجهاز قضائي وتنفيذي، ومن أجل منع تعديات افراد المجتمع على يعضهم البعض. وبما أن هذه الأمور لا تتم تلقائياً؛ فيجب تشكيل الحكومة لذلك. وبما أن تشكيل الحكومة وادارة المجتمع يحتاج إلى ميزانية وأموال، لذا عين الشارع المقدس الميزانية وأنواع الضرائب أيضاً كالخراج والخمس والزكاة وغيرها.

والآن حيث لم يُعيَّن شخص محدد من قبل الله عز وجل للقيام بأمر الحكومة في زمن الغيبة، فما هو التكليف؟ هل يجب التخلي عن الإسلام؟ هل صرنا بغنى عنه؟ وهل كان الإسلام لمدة مئتي سنة فقط؟ أم أن الإسلام حدد التكليف، لكن ليس علينا من تكاليف تتعلق بالحكومة؟ إن معنى عدم وجود حكومة هو زوال جميع حدود وثغور المسلمين، وجلوسنا متفرجين تاركين للغير أن يعملوا ما يشاؤون.

واذا لم نمض أعمالهم فعلى الاقل لا نقف بوجهها! فهل هكذا يجب أن يكون الوضع؟

أم أن الحكومة واجبة، ولئن كان الله تعالى لم يعين شخصا معينا للحكومة في زمن الغيبة، لكن تلك الصفات التي كانت شرطا في الحاكم، من صدر الإسلام إلى زمن الإمام صاحب الزمان (ع)، هي كذلك لزمان الغيبة أيضاً.

وهذه الصفات التي هي عبارة عن: العلم بالقانون والعدالة، موجودة في عدد لا يحصى من فقهاء عصرنا، لو اجتمعوا مع بعضهم لاستطاعوا اقامة حكومة العدل الشامل في العالم.

ولاية الفقيه

لو قام الشخص الحائز لهاتين الخصلتين بتأسيس الحكومة تثبت له نفس الولاية التي كانت ثابتة للرسول الأكرم (ص)، ويجب على جميع الناس اطاعته.

فتوهم أن صلاحيات النبي (ص) في الحكم كانت اكثر من صلاحيات أمير المؤمنين (ع)، وصلاحيات امير المؤمنين (ع) أكثر من صلاحيات الفقيه، هو توهم خاطئ وباطل. نعم ان فضائل الرسول (ص) بالطبع هي أكثر من فضائل جميع البشر، لكن كثرة الفضائل المعنوية لا تزيد في صلاحيات الحكم. فنفس الصلاحيات التي كانت للرسول (ص) والائمة (ع) في تعبئة الجيوش، وتعيين الولاة والمحافظين، واستلام الضرائب وصرفها في مصالح المسلمين، قد اعطاها الله تعالى للحكومة المفترضة هذه الايام. غاية الأمر لم يعين شخصاً بالخصوص، وإنما اعطاه لعنوان العالم العادل.

الولاية الاعتبارية

عندما نثبت نفس الولاية التي كانت للرسول (ص) والائمة (ع) للفقيه في عصر الغيبة، فلا يتوهمن أحد أن مقام الفقهاء نفس مقام الأئمة (ع) والنبي (ص)، لأن كلامنا هنا ليس عن المقام والمرتبة، وانما عن الوظيفة.

فالولاية ـ أي الحكومة وادارة البلاد وتنفيذ أحكام الشرع المقدس ـ هي وظيفة كبيرة ومهمة، لكنها لا تحدث للانسان مقاماً وشأناً غير عادي، أو ترفعه عن مستوى الانسان العادي. وبعبارة اخرى فالولاية ـ التي هي محل البحث، أي الحكومة والادارة والتنفيذ ـ ليست امتيازاً، خلافا لما يتصوره الكثيرون، وانما هي وظيفة خطيرة.

ولاية الفقيه من الأمور الاعتبارية العقلائية

وليس لها واقع سوى الجعل، وذلك كجعل القيم للصغار.

فالقيم على الامة لا يختلف عن القيم على الصغار من ناحية الوظيفة والدور. وكأن الامام (ع) قد عين شخصاً لأجل حضانة الحكومة أو منصب من المناصب. ففي هذه الموارد لا يعقل أن يكون هناك فرق بين الرسول الأكرم (ص) والإمام والفقيه.

فمن الأمور التي هي ضمن ولاية الفقيه تنفيذ الحدود (أي تطبيق القانون الجزائي للإسلام)، فهل هناك اختلاف في تنفيذ الحدود بين الرسول الأكرم (ص) والامام والفقيه؟ أم أنه لأن الفقيه أدنى رتبة، فيجب أن تكون السياط التي يجلدها أقل عدداً؟

فالزاني (الذي حده في الاصل مئة جلدة) يضربه الرسول (ص) مئة وخمسين، بينما يضربه امير المؤمنين (ع) مئة جلدة، أما الفقيه فيضربه خمسين فحسب؟!! أم أن الحاكم مسؤول السلطة التنفيذية، ويجب عليه أن يقيم حد الله، سواء كان رسول الله (ص)، أم أمير المؤمنين (ع) أم ممثله وقاضيه في البصرة أو الكوفة، أم فقيه العصر.

ومن شؤون الرسول (ص) وأمير المؤمنين (ع) اخذ الضرائب من الخمس والزكاة والجزية وخراج الارض الخراجية، فهل ما يأخذه الرسول (ص) من زكاة يختلف عما يجب أن يأخذه أمير المؤمنين (ع) أو الفقهاء؟ وهل هناك فرق في هذه الأمور بين ولاية الرسول (ص) وولاية أمير المؤمنين (ع) وولاية الفقهاء؟ لقد جعل الله تعالى الرسول الأكرم (ص) وليّاً لجميع المسلمين، وإلى حين وجوده (ص) كان له ولاية حتى على أمير المؤمنين (ع). ومن بعده كان أمير المؤمنين (ع) الامام على جميع المسلمين، وله ولاية حتى على الإمام الذي يكون بعده. أي أن أوامره التي لها ارتباط بأمر الحكومة نافذة وجارية، ويستطيع نصب القضاة والولاة وعزلهم.

ونفس تلك الولاية الثابتة للرسول (ص) وللامام (ع) في تشكيل الحكومة والتصدي للادارة والتنفيذ ثابتة للفقيه أيضاً. لكن الفقيه ليس له ولاية مطلقة بنحو يشمل كل فقهاء عصره، ويتمكن بحسبها من عزل فقيه آخر أو نصبه.

فليست ثمة مراتب ودرجات بهذا المعنى، بنحو يكون البعض في مرتبة أعلى، بينما البعض الآخر في مرتبة أسفل منه. ويكون البعض والياً، بينما البعض الآخر أكثر ولاية. بعد ثبوت هذا المطلب يجب على الفقهاء أن يقيموا الحكومة الشرعية، إما مجتمعين أو منفردين، من أجل تنفيذ الحدود وحفظ الثغور والنظام. وإذا كان الأمر ميسوراً لأحدهم فهو واجب عيني عليه، وإلا فهو كفائي. وفي حالة عدم إمكانه لا تسقط ولايتهم، لأنهم منصوبون من الله عز وجل. فإذا تمكنوا فيجب عليهم أخذ الضرائب من الزكاة والخمس والخراج وصرفها في مصالح المسلمين، كما يجب عليهم تنفيذ الحدود (في صورة الامكان). فليس صحيحاً أننا إذا لم نتمكن الآن من إقامة الحكومة العامة والشاملة، اذن نتخلى عن الأمر، بل يجب القيام بما نستطيع القيام به من الأمور التي يحتاجها المسلمون، والوظائف التي يجب أن تتولاها الحكومة الإسلامية.

الولاية التكوينية

لا يلزم من إثبات الولاية والحكومة للامام (ع) ألا يكون لديه مقام معنوي. إذ للامام مقامات معنوية مستقلة عن وظيفة الحكومة. وهي مقام الخلافة الكلية الالهية التي ورد ذكرها على لسان الأئمة (ع) أحيانا، والتي تكون بموجبها جميع ذرات الوجود خاضعة أمام ولي الامر. من ضروريات مذهبنا أنه لا يصل أحد إلى مراتب الائمة (ع) المعنوية حتى الملك المقرب، والنبي المرسل. وفي الاساس فإن الرسول الأكرم (ص) والائمة (ع) ـ وبحسب رواياتنا ـ كانوا أنوارا في ظل العرش قبل هذا العالم، وهم يتميزون عن سائر الناس في انعقاد النطفة والطينة، ولهم من المقامات إلى ما شاء الله، وذلك كقول جبرائيل (ع) في روايات المعراج: لو دنوت أنملة لاحترقت، أو كقولهم (ع) إن لنا مع الله حالات لا يسعها ملك مقرب ولا نبي مرسل فوجود مقامات كهذه للائمة (ع) من اصول مذهبنا، وذلك بغض النظر عن موضوع الحكومة، كما أن هذه المقامات المعنوية ثابتة للزهراء (ع)، مع أنها ليست بحاكم ولا خليفة ولا قاض، فهذه المقامات شيء آخر غير وظيفة الحكومة. ولذا عندما نقول أن الزهراء (ع) ليست بقاض ولا خليفة، فهذا لا يعني أنها مثلي ومثلكم، أو أنها لا تمتاز عنا معنوياً. وكذلك عندما يقال أن {النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم} فقد ورد في حق الرسول (ص) كلام أرقى من كونه (ص) يمتلك مقام الولاية والحكومة على المؤمنين.

ولسنا هنا في مجال الكلام حول ذلك، إذ يتكفل به علم آخر.

الحكومة وسيلة لتحقيق الاهداف السامية

تولي أمر الحكومة في حد ذاته ليس مرتبة ومقاماً، وإنما مجرد وسيلة للقيام بوظيفة تطبيق الأحكام، وإقامة نظام الإسلام العادل. يقول أمير المؤمنين (ع) لابن عباس عن نفس الحكومة: ما قيمة هذا النعل؟ فقال ابن عباس: لا قيمة لها. فقال (ع) : والله لهي أحب الي من إمرتكم، إلا أن أقيم حقاً (اي اقيم قانون الإسلام ونظامه) أو أدفع باطلاً (أي القوانين والانظمة الجائرة والمحرمة) . إذاً فنفس الحاكمية والامارة مجرد وسيلة ليس إلاّ. وهذه الوسيلة إذا لم تؤدِ إلى عمل الخير وتحقيق الاهداف السامية، فهي لا تسأوي شيئاً عند أهل الله. ولذا يقول (ع) في خطبة نهج البلاغة لولا حضور الحاضر، وقيام الحجة بوجود الناصر... لألقيت حبلها على غاربها (أي لتركت تلك الحكومة والامارة) وذلك بديهي، فتولي الحكومة هو مجرد تحصيل وسيلة وليس مقاماً معنوياً. إذ لو كان مقاماً معنوياً لما تمكن أحد من غصبه أو التخلي عنه. فبمقدار ما تكون الحكومة والإمارة وسيلة لتطبيق الأحكام الالهية واقامة النظام العادل للسلام، بمقدار ما تكون ذات قدر وقيمة، ويكون المتولي لها جليل القدر، سامي المقام، بعض الناس هيمنت عليهم الدنيا، فهم يتوهمون أن الرئاسة والحكومة بحد ذاتها شأن ومرتبة بالنسبة للائمة (ع)، بنحو لو ثبتت لغيرهم؛ فكأنما الدنيا قد خربت. مع أن رئيس وزراء الاتحاد السوفيتي أو انكلترا أو رئيس جمهورية امريكا عندهم حكومات (ورئاسة) لكنهم كفرة. فهم كفرة، لكنهم يملكون السلطة والنفوذ السياسي. وهذه السلطة والنفوذ والقدرة السياسية يجعلونها وسيلة لتحقيق طموحاتهم من خلال تطبيق القوانين والسياسات المعادية للانسانية.

الأئمة والفقهاء العدول مكلفون بالاستفادة من النظام والتشكيلات الحكومية من أجل تنفيذ الأحكام الإلهية، وإقامة النظام الإسلامي العادل، والقيام بخدمة الناس. الحكومة بحد ذاتها بالنسبة لهم لا تعني سوى المشقة والتعب. لكن ما العمل؟ إنهم مأمورون بالقيام بالوظيفة. فمسألة ولاية الفقيه هي مسألة تنفيذ مهمة والعمل بالتكليف.

الأهداف السامية للحكومة

يصرح الامام (ع) حول السبب في توليه الحكومة والامارة أن ذلك إنما كان لأجل تحقيق الاهداف السامية، لأجل اقامة الحق وإزالة الباطل. جاء في كلامه (ع):

اللهم إنك تعلم انه لم يكن الذي كان منا منافسةً في سلطان، ولا التماس شيء من فضول الحطام، ولكن لِنَرِدَ المعالمَ من دينك، ونظهر الاصلاح في بلادك، فيأمن المظلومين من عبادك، وتقام المعطَّلة من حدودك.

فالذي ألجأني إلى قبول الحكم والامارة على الناس هو ما أخذه الله على العلماء من ألاّ يقارّوا على كظة ظالم، ولا على سغب مظلوم.

الصفات المطلوبة لتحقيق هذه الاهداف

الحاكم الذي يريد تطبيق أهداف الإسلام السامية عملياً من خلال سلطته واجهزة الدولة التي تخضع لأمره ـ وهي نفس تلك الاهداف التي بينها أمير المؤمنين (ع) ـ يجب أن يكون ممتلكاً لتلك الخصال الضرورية التي أشرنا إليها سابقاً وهي: العلم بالقانون والعدالة.

ولذا يشير الإمام (ع) في تتمة كلامه حول أهداف الحكومة إلى الصفات الضرورية في الحاكم فيقول: اللهم إني أول من أناب، وسمع وأجاب، لم يسبقني إلاّ رسول الله ـ صلى الله عليه وآله ـ بالصلاة. وقد علمتم أنه لا ينبغي أن يكون الوالي على الفروج والدماء والمغانم والأحكام وامامة المسلمين البخيل، فتكون في أموالهم نهمته، ولا الجأهل فيُضلّهم بجهلة، ولا الجافي فيقطعهم بجفائه، ولا الحائف للدول فيتخذ قوماً دون قوم، ولا المرتشي في الحكم فيذهب بالحقوق، ويقف بها دون المقاطع، ولا المعطَّل للسنة فيُهلك الأمة.

ينبغي الالتفات جيداً إلى أن مطالب هذه الرواية تدور حول موضوعين: الأول: العلم، والثاني: العدالة. وقد جعلت هاتان الخصلتان ضرورتين في الوالي ففي عبارة (ولا الجأهل فيضلهم بجهلة) إشارة إلى صفة العلم. وفي سائر العبارات تأكيد على العدالة بمعناها الواقعي. فالعدالة بمعناها الحقيقي هي: التصرف في العلاقات مع الدول، وفي التعامل مع الناس ومعاشرتهم، وفي القضاء، وتقسيم الارزاق والمواد العامة كما كان يتصرف أمير المؤمنين (ع)، ووفقاً للنهج الذي عينه (ع) في عهده لمالك الاشتر، ومن خلاله لجميع الحكام والولاة. لأنه عهد عام. فالفقهاء أيضاً لو صاروا ولاة يجب أن يجعلوه برنامجهم العملي.

ولاية الفقيه من خلال الروايات

الفقهاء العدول خلفاء الرسول الأكرم (ص):

من الرويات التي لا اشكال في دلالتها هذه الرواية: قال أمير المؤمنين (ع) : قال رسول الله (ص) : اللهم ارحم خلفائي (ثلاث مرات) قيل: يا رسول الله ومن خلفاؤك؟ قال: الذين يأتون بعدي، يروون حديثي وسنتي فيعلَّمونها الناس من بعدي.

نقل الشيخ الصدوق (رحمه الله) هذه الرواية في كتب: معاني الاخبار وعيون اخبار الرضا والمجالس من خمسة طرق ـ والتي تصبح اربعة طرق تقريبا، لأن طريقين منها مشتركان من بعض الجهات ـ في الموارد التي ذكرت فيها مسندة في أحدها فيعلمونها، بينما في بقية الموارد فيعلمونها الناس. وحيث ذكرت مرسلة فالموجود هو صدر الرواية فحسب، وليس فيها جملة: فيعلمونها الناس من بعدي.

ونحن نتكلم حول هذه الرواية بناءً على فرضين:

فلنفرض أن الرواية هي واحدة، وجملة فيعلمونها قد زيدت في ذيل الحديث. أو أن الجملة المذكورة قد كانت موجودة لكنها سقطت. وسقوط الجملة أقرب للواقع، لأنه لو كانت قد أضيفت لا يمكن القول أن ذلك كان خطأ أو اشتباها، لأنه ـ وكما ذكرنا ـ فالرواية واردة من عدة طرق، ورواة الحديث أيضاً كانوا يعيشون متباعدين عن بعضهم: فأحدهم في بلخ، والآخر في نيشابور، والثالث في مكان آخر. وبهذا الحال لا يمكن أن تكون هذه الجملة قد أضيفت عمدا. ومن المستبعد أن يرد في أذهان ثلاثة أشخاص متباعدين عن بعضهم أن يضيفوا جملة كهذه إلى الحديث. بناءً على هذا إذا كانت الرواية متحدة، فنحن نقطع بأن جملة فيعلمونها ساقطة من الرواية في الطريق التي نقلها به الشيخ الصدوق (رحمه الله) وقد سقطت من قلم النساخ، أو أن الشيخ الصدوق (رحمه الله) لم يذكرها.

الغرض الآخر هو أن يكون هناك حديثان: الأول من دون جملة فيعلمونها والآخر قد ورد مع هذه الجملة. بناء على كون الجملة المذكورة في الحديث، فهي قطعاً لا تشمل أولئك الذين شغلهم نقل الحديث، دون أن يكون لهم من أنفسهم رأي أو فتوى، ولا يمكن القول ان بعض المحدثين الذين لا يفهمون الحديث أصلاً، والذين هم مصداق لقوله (ع) «رب حامل فقه ليس بفقيه» ومثلهم كمثل آلة التسجيل يأخذون الاخبار والروايات ويكتبونها، ثم يضعونها في متنأول الناس لا يمكن القول أن هؤلاء خلفاء (للرسول) ويعلمون العلوم الإسلامية للناس. وبالطبع فإن المشقات التي تحملوها لأجل الإسلام والمسلمين محل تقدير، كما كان الكثير منهم أيضاً فقهاء ومن أصحاب الرأي، كالكليني (رحمه الله) والشيخ الصدوق ووالده (رحمهما الله) الذين كانوا فقهاء ويعلمون الناس الأحكام والعلوم الإسلامية.

نحن عندما نقول ان الشيخ الصدوق (رحمه الله) يختلف عن الشيخ المفيد (رحمه الله) فليس مرادنا أن الشيخ الصدوق لم يكن يمتلك الفقاهة، أو أن فقاهته كانت أقل من الشيخ المفيد. فالشيخ الصدوق (رحمه الله) هو الذي قام بشرح جميع أصول وفروع المذهب في مجلس واحد، لكن اختلافه عن الشيخ المفيد (رحمه الله) هو أن الشيخ المفيد وأمثاله هم من المجتهدين الذين يعملون نظرهم في الروايات والاخبار، بينما الصدوق (رحمه الله) من الفقهاء الذين لا يعملون نظرهم، أو يعملونه بمستوى اقل.

فالحديث يشمل أولئك الذين يقومون بنشر العلوم الإسلامية وبيان أحكام الإسلام، ويربون الناس ويُعدُّونهم للإسلام لكي يعلموا الآخرين، كما كان رسول الله (ص) والائمة (ع) ينشرون الأحكام الإسلامية، فقد كانت لهم حوزات تدريس، وقد انتهل من مدرستهم عدة آلاف من المتعلمين، وكانوا مكلفين بتعليم الناس. فمعنى يعلمونها الناس هو نفس نشر العلوم الإسلامية واشاعتها بين الناس وإيصال الأحكام الإسلامية لهم. عندما نقول ان الإسلام لجميع شعوب الدنيا، فمن الواضح أن المسلمين وخصوصاً علماء الإسلام مكلفون بنشر الإسلام والأحكام الإسلامية وبيانها لشعوب العالم.

ولو قلنا أن جملة يعلمونها الناس لم تكن في ذيل الحديث، فيجب أن نرى ما معنى قول الرسول الأكرم (ص) اللهم ارحم خلفائي... الذين يأتون بعدي يروون حديثي وسنتي ففي هذه الصورة أيضاً فإن الرواية لا تشمل رواة الحديث الذين هم ليسوا بفقهاء، وذلك لأن السنن الالهية التي هي عبارة عن جميع الأحكام، انما سميت بسنن رسول الله (ص) لكونها وردت على لسان النبي الأكرم (ص). إذاً فالذي يريد نشر سنن الرسول الأكرم (ص) يجب أن يعرف جميع الأحكام الإلهية، ويشخص الصحيح من السقيم، وأن يكون ملتفتاً إلى الاطلاق والتقييد والعام والخاص وأنحاء الجمع العقلائي وان يميَّز الروايات الواردة أثناء التقية عن غيرها، وأن يعرف الموازين التي حدَّدوها لذلك. والمحدثون الذين لم يصلوا مرتبة الاجتهاد، وانما يقومون بنقل الحديث فحسب، لا يعرفون هذه الأمور، ولا يستطيعون تشخيص السنّة الواقعية لرسول الله (ص) وهذا لا قيمة له في نظر النبي (ص)، فمن المسلم أنه (ص) لا يريد أن يروِّج بين الناس قال رسول الله (ص) وعن رسول الله (ص) حتى لو كان كذبا، ولم يكن عنه (ص) وإنما مراده أن تنتشر بين الناس السنّة الواقعية والأحكام الحقيقية للإسلام. رواية من حفظ على امتي أربعين حديثا حشره الله فقيهاً والروايات الأخرى التي وردت في تمجيد نشر الأحاديث لا تتنأول المحدثين الذين لا يفهمون معنى الحديث أصلا، وإنما هي تتحدث عن أولئك الذين يستطيعون تشخيص حديث الرسول الأكرم (ص) المطابق للحكم الواقعي للإسلام. وهذا لا يمكن إلا للمجتهد والفقيه الذي يزن جميع الجوانب وقضايا الأحكام، ويستخرج الأحكام الواقعية للإسلام طبقا لما لديه من موازين، الموازين التي حددها الإسلام والائمة (ع)، فهؤلاء هم خلفاء رسول الله (ص) الذين دعا لهم (ص) بقوله:اللهم ارحم خلفائي. بناء على هذا فلا ترديد في أن رواية اللهم ارحم خلفائي لا تشمل الرواة للاحاديث الذين لهم حكم الكاتب فحسب، فالكاتب والمقرر لا يستطيع أن يكون خليفة رسول الله (ص) فالمراد بالخلفاء فقهاء الإسلام. ونشر وتعليم الأحكام وتربية الناس انما هو للفقهاء العدول، إذ لو لم يكونوا عدولا فسيكونون كالقضاة الذين يضعون الاحاديث ضد الإسلام، كمثل سمرة بن جندب الذي وضع رواية ضد أمير المؤمنين (ع). وإذا لم يكونوا فقهاء لا يستطيعون فهم ما هو الفقه، وماهو حكم الإسلام. ومن الممكن أن يقوموا بنشر آلاف الروايات المجعولة من قبل اعوان الظلمة وعلماء البلاط في مدح السلاطين.

وانكم لتلاحظون ما قاموا به من تأثير بواسطة روايتين ضعيفتين وجعلوهما في مقابل القرآن الكريم الذي يحث على الثورة ضد سلاطين الجور بكل قوة ويدفع بموسى (ع) للثورة ضد السلاطين. وفضلا عن القرآن، فقد وردت أحاديث كثيرة حول مقأومة الظلمة، والذين يتصرفون في أمر الدين وقد وضع المتقاعسون كل ذلك جانبا، وتمسكوا بهاتين الروايتين الضعيفتين اللتين ربما كان وعاظ السلاطين قد وضعوهما، وجعلوهما مستنداً للزوم التكيُّف مع السلاطين والدخول في بلاطهم! لو كان هؤلاء من أهل الحديث والمعرفة بالدين، لعملوا بالروايات الكثيرة الواردة ضد الظلمة، ولو كانوا من أهل الرواية أيضاً فليسوا عدولاً، لأنهم لو كانوا عدولا ومن مجتنبي المعاصي لما صرفوا انظارهم عن القرآن وجميع هذه الروايات، وتمسكوا بروايتين ضعيفتين! إنها بطونهم تلك التي دعتهم للتمسك بهاتين الروايتين، لا العلم! إنها البطن وحب الجاه هما اللذان يجعلان الانسان من أهل البلاط، لا الحديث.

على أية حال فنشر العلوم الإسلامية والأحكام بيد الفقهاء العدول من أجل تمييز الأحكام الواقعية عن غيرها، وتشخيص الروايات الصادرة عن الأئمة (ع) بالتقية. لأننا نعلم أن أئمتنا (ع) كانوا يعيشون أحيانا في ظل ظروف لاتمكنهم من بيان الحكم الواقعي. إذ كانوا مبتلين بحكام الظلم والجور، وكانوا يعيشون في حالة شديدة من التقية والخوف (وبالطبع فإن خوفهم كان على المذهب لا على انفسهم) ففي بعض الموارد لو لم تستعمل التقية، لكان الحكام الظلمة قد قاموا باجتثاث جذور المذهب.

وأما دلالة الحديث الشريف على ولاية الفقيه، فلا ينبغي أن يكون محل تردد. إذ أن الخلافة هي: الخلافة في جميع شؤون النبوة. وجملة اللهم ارحم خلفائي لا تقل عن جملة علي خليفتي ومعنى الخلافة فيها ليس سوى معنى الخلافة في الجملة الثانية. وجملة الذين يأتون لم يكن أمرا مجهولا في صدر الإسلام لكي يحتاج للبيان. والسائل أيضاً لم يسأل عن معنى الخلافة، وإنما طلب معرفة الأشخاص، فعرفهم النبي (ص) بهذا الوصف. والذي يدعوا إلى التعجب انه لم ير أحد في جملة علي خليفتي محلا للسؤال، وقد استدلوا بها على خلافة وحكومة الأئمة (ع). لكن عندما وصلوا إلى جملة خلفائي توقفوا. ولا مبرر لذلك، إلا أنهم ظنوا أن خلافة رسول الله (ص) محدودة بحدود معينة، أو خاصة باشخاص معينين. وبما أن الأئمة (ع) كل منهم خليفة له (ص)، فلا يمكن أن يكون العلماء حكاما وقادة وخلفاء بعد الأئمة، ويجب أن يبقى الإسلام بلا رئيس، وأن تعطل أحكام الإسلام، وأن تسلم ثغور الإسلام لأعداء الدين، ثم راجت كل هذه الاعوجاجات التي لا تمت للإسلام بصلة.

رواية اخرى

روى محمد بن يحيى، عن احمد بن محمد، عن ابن محبوب، عن علي بن ابي حمزة، قال: سمعت ابا الحسن موسى بن جعفر (ع) يقول: إذا مات المؤمن بكت عليه الملائكة، وبقاع الارض التي كان يعبد الله عليها، وأبواب السماء الني كان يصعد فيها بأعماله، وثلم في الإسلام ثلمة لا يسدها شيء. لأن المؤمنين الفقهاء حصون الإسلام كحصن المدينة لها.

حول متن هذه الرواية

يوجد في نفس هذا الباب من كتاب الكافي رواية أخرى فيها بدلا من إذا مات المؤمن جملة إذا مات المؤمن الفقيه بينما صدر الرواية التي نقلناها ليس فيه كلمة الفقيه. لكن يعلم من ذيلها الذي يعلل فيه (ع) بقوله لأن المؤمنين الفقهاء ان كلمة الفقيه قد سقطت من أول الرواية، خصوصاً بوجود المناسبة، حيث يستفاد من كلمة ثلم في الإسلام وحصون وما شابه تمام المناسبة مع الفقهاء.

حول مفهوم الرواية

عندما يقول (ع) المؤمنون الفقهاء حصون الإسلام فهو في الحقيقة يكلف الفقهاء ويأمرهم بأن يكونوا حماة للإسلام، وأن يدافعوا عن عقائد الإسلام وأحكامه وانظمته. ومن الواضح أن كلام الإمام هذا ليس فيه أي نحو من المجاملة، فهو ليس كالمجاملات التي نقوم بها مع بعضنا، أو كأن نكتب على أغلفة الرسائل لبعضنا جناب المستطاب حجة الإسلام. فلو كان الفقيه جليس بيته ولم يتدخل في أمر من الأمور، فلا هو حفظ قوانين الإسلام، ولا نشر أحكامه، ولا تدخل في الأمور الاجتماعية للمسلمين، ولا اهتم بأمورهم، فهل يوصف بأنه حصن الإسلام؟ أو حافظ الإسلام؟ لو أمر رئيس الحكومة أو القائد شخصا ما بالذهاب إلى احدى النواحي وحمايتها والمحافظة عليها، فهل تسمح له وظيفة الحراسة بالذهاب للنوم في بيته إلى أن يأتي العدو ويقضي على تلك الناحية؟ أم أن عليه الجد في الحفاظ عليها بأي شكل استطاع؟ إذا قلتم نحن نحفظ بعض أحكام الإسلام، فإني اسألكم: فهل تقيمون الحدود، وتنفذون القانون الجزائي للإسلام؟ والجواب هو بالنفي. فها قد أحدثتم ثغرة هنا. وقد تداعى جانب من الحائط أثناء توليكم لوظيفة الحراسة. هل تقومون بالمحافظة على جميع حدود المسلمين، وجميع أراضي الوطن الإسلامي؟ والجواب كلا، فعملنا هو الدعاء. وهنا قد تداعى جانب آخر من الحائط.

هل تأخذون حقوق الفقراء من الاغنياء وتوصلونها للفقراء؟ إذ وظيفتكم الإسلامية هي أن تقوموا بذلك. والجواب كلا، فلا علاقة لنا بهذه الأمور. سيقوم بذلك الآخرون ان شاء الله. وهنا تداعى حائط آخر. وصرتم مثل السلطان حسين واصفهان!.

فما هو الحصن الذي كلما طرحنا جهة من الجهات على هذا السيد حصن الإسلام يتعذر ويتملّص! فهل هذا هو معنى الحصن؟

عندما يقولون الفقهاء حصون الإسلام فهذا يعني أنهم مكلفون بالحفاظ على الإسلام، وبأن يهيؤا الارضية للتمكن من المحافظة على الإسلام. وهذا من أهم الواجبات، وهو من الواجبات المطلقة لا المشروطة. ومن المواضع التي يجب على الفقهاء الاهتمام بها الحوزات الدينية، فيجب ان يعيشوا ذلك الهمّ، ويجهزوا انفسهم بالتشكيلات والأدوات، ويبنوا القوة التي تستطيع حفظ الإسلام بكل ما للكلمة من معنى، تماماً كما كان النبي الأكرم (ص) والائمة (ع) حماة للإسلام، وقد حفظوا العقائد والأحكام والانظمة الإسلامية بالشكل الافضل.

أما نحن فقد أهملنا جميع الجهات، واخذنا عدداً من الأحكام خلفاً عن سلف وعكفنا على دراستها، وقد اصبح الكثير من أحكام الإسلام من العلوم الغريبة! بل الإسلام من اساسه صار غريباً. لقد بقي منه اسمه فحسب. فالأحكام الجزائية الإسلامية التي هي أفضل قانون جزائي وصل للبشر، صارت منسية بجملتها، ولم يبق منها إلا الاسم. كل الآيات الشريفة الواردة في الحدود والأمور الجزائية لم يبق منها إلا قراءتها. فنحن نقرأ: {الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة} لكننا لا نملك اي تكليف تجاهها. إن علينا أن نقرأ فحسب، لكي تصبح قراءتنا جيدة ونتقن أداء المخارج! دون ان يكون لنا أدنى علاقة بأوضاع المجتمع وأحواله، ومستوى رواج الفحشاء والفساد، وتأييد الحكومات ودعمها للمفسدين (الزناة). نحن نعرف فقط أن حد الزاني والزانية هو بهذا الشكل، دون أن يكون لنا أي دخل في مسألة من سيتولى اجراء الحد، وتنفيذ القانون.

إني أتساءل هل كان رسول الله (ص) هكذا؟ يقرأ القرآن ويضعه جانباً دون ان يكون له علاقه بالحدود وتنفيذ القوانين؟ وهل كان موقف الخلفاء بعد الرسول الأكرم (ص) هو تسليم المسائل للناس، والتخلي عن الأمور؟ أم أن الأمر كان بالعكس، فقد قاموا بتعيين الحدود، ونفذوا التعزيرات والرجم والحبس المؤبد والنفي من البلاد؟ ارجعوا إلى فصل الحدود والديات، لتروا أن هذا كله في الإسلام، وان الإسلام جاء لأجل هذه الأمور، جاء الإسلام لينظم المجتمع، والامامة الاعتبارية والحكومة هي لأجل هذه الأمور.

نحن مكلفون بالحفاظ على الإسلام. وهذا التكليف من الواجبات المهمة، وهو أهم من الصلاة والصوم. ونفس هذا التكليف هو الذي يوجب سفك الدماء للاتيان به. لم يكن ثمة أهم من دم الامام الحسين (ع)، وقد سفك لأجل الإسلام. وانطلاقاً من تلك القيمة التي يحملها الإسلام يجب علينا أن نستوعب هذا الأمر، ونعلمه للآخرين أيضاً. إنما تكونون خلفاء للإسلام فيما لو علمتم الناس الإسلام. ولا تقولوا لندع ذلك إلى حين مجيئ صاحب الزمان (ع).

فهل تتركون الصلاة في حال من الاحوال لتأدوها حين مجيء صاحب الزمان (ع) ؟

ان حفظ الإسلام أهم، ووجوبه اشد من الصلاة. لا تحملوا منطق حاكم (قاضي) خمين الذي كان يقول: يجب ترويج المعاصي لكي يظهر صاحب الزمان (ع). فلو لم تكثر المعاصي ألا يظهر صاحب الزمان؟! لا تجلسوا هنا لمجرد الدرس، بل تعرفوا على جميع الأحكام الإسلامية، وانشروا الحقائق. ألِّفوا الكتب (والكتيبات) واطبعوها وانشروها، وستكون مؤثرة حتماً. بحسب تجربتي فإنها ذات تأثير.

روى علي، عن أبيه، عن النوفلي، عن السكوني، عن أبي عبدالله (ع) قال: قال: رسول الله (ص) : الفقهاء أمناء الرسل ما لم يدخلوا في الدنيا. قيل: يا رسول الله وما دخولهم في الدنيا؟

قال: اتباع السلطان. فاذا فعلوا ذلك، فاحذروهم على دينكم

تحليل هذه الرواية يحتاج إلى بحث مطول، ونحن نتكلم هنا فقط حول جملة الفقهاء امناء الرسل التي هي محل البحث، ولها علاقة بولاية الفقيه. وفي البدء ينبغي أن نرى ما هي وظائف وصلاحيات الانبياء، لكي نعرف ما هي وظائف الفقهاء الذين هم أمناؤهم ومعتمدوهم.

هدف بعثة الانبياء ووظائفهم

إن هدف بعثة الانبياء وعملهم لا ينحصر بحسب حكم العقل وضرورة الأديان بمجرد بيان المسائل والأحكام. فلم ينصب الله تعالى الرسول (ص) ومن بعده الأئمة (ع) لمجرد نقل الأحكام والمسائل وبيانها للناس بأمانة، ومن ثم قاموا هم (ع) بايكال هذه الامانة للفقهاء، لينقلوا بدورهم الأحكام التي اخذوها من الانبياء بأمانة فيكون معنى الفقهاء امناء الرسل أن الفقهاء أمناء في بيان الأحكام (فهذا ليس صحيحاً)، إذ أن أهم وظيفة للانبياء في الحقيقة هي إقامة نظام اجتماعي عادل من خلال تطبيق القوانين والأحكام، والذي يتلازم بالطبع مع بيان الأحكام ونشر التعاليم والعقائد الالهية. كما يظهر هذا المعنى بوضوح من الآية الشريفة: {ولقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط}

ان هدف بعثة الانبياء بشكل عام تنظيم الناس بعدالة على أساس من العلاقات الاجتماعية، وتقويم آدمية الانسان. وهذا إنما يمكن من خلال تشكيل الحكومة وتنفيذ الأحكام، سواء وفَّق النبي بنفسه لذلك كالرسول (ص)، أو كان ذلك لاتباعه بعده. يقول الله تعالى حول الخمس : {واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى} ويقول حول الزكاة {خذ من أموالهم صدقة} كما يصدر بعض القرارات حول الخراج. وفي الحقيقة لم يكلف النبي (ص) ببيان هذه الأحكام للناس فحسب، بل بتطبيقها أيضاً. فكما يجب عليهم نشر الأحكام بين الناس، فهم مكلفون أيضاً بتنفيذها: بأخذ الضرائب نظير الخمس والزكاة، وصرفها في مصالح المسلمين، ونشر العدالة بين الشعوب وافراد البشر، واجراء الحدود، والحفاظ على أراضي البلاد واستقلالها، وعدم السماح لأحد بان يتصرف في ضرائب الدولة الإسلامية بالظلم والحيف.

إن جعل الرسول الأكرم (ص) رئيساً وعدَّ طاعته واجبة {وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم} ليس المراد منه أنه إذا ذكر الرسول حكماً فيجب علينا القبول والعمل به، فالعمل بالأحكام إطاعة لله عز وجل، وكل الاعمال العبادية وغير العبادية التابعة للأحكام هي اطاعة لله. اتباع النبي الأكرم (ص) ليس عملا بالأحكام، وإنما هو أمر آخر. اجل فإطاعة الرسول الأكرم (ص) هي بمعنى من المعاني إطاعة الله، لأن الله قد أمر أن نطيع رسوله (ص). فإذا أمر الرسول الأكرم (ص) ـ الذي هو رئيس المجتمع الإسلامي وقائده ـ أمر الجميع بلزوم الذهاب إلى الحرب مع جيش اسامة فلا يحق لأحد ان يتخلف. وهذا ليس امر الله، وانما هو امر الرسول. فالله تعالى قد أوكل الحكومة والقيادة له (ص) ويقوم هو (ص) وفقاً للمصلحة بتجييش الجيوش، وتعيين القضاة والحكام والولاة، أو يعزلهم.

الفقهاء أمناء للرسل في تنفيذ القوانين وقيادة الجيوش وادارة المجتمع والدفاع عن البلاد وأمور القضاء

بناءً على هذا فالفقهاء أمنا الرسل تعني أن الفقهاء العدول مكلفون ومأمورون بالقيام بجميع الأمور التي كانت في عهدة الانبياء، ولئن كانت العدالة من الأمانة فمن الممكن ان يكون الانسان أميناً في الأمور المالية، دون أن يكون عادلاً. إلا أن المراد من أمناء الرسل هو أولئك الذين لا يتقاعسون عن أداء أي تكليف، والذين يكونون طاهرين ومنزهين. إذ يقول (ع) في ذيل الحديث: ما لم يدخلوا في الدنيا. اذن فالفقيه الذي يكون مهتماً بجمع مال الدنيا فإنه ليس عادلاً، ولا يستطيع أن يكون أميناً للرسول الأكرم (ص) ومجرياً لأحكام الإسلام. فالفقهاء العدول وحدهم هم الذين يقومون بتنفيذ أحكام الإسلام، وإقرار نُظُمه، وإقامة الحدود، وتنفيذ القصاص، وحراسة حدود الوطن الإسلامي وكافة اراضيه. والخلاصة أن إجراء جميع القوانين ذات العلاقة بالحكومة هو في عهدة الفقهاء بدءاً من استلام الأخماس والزكوات والصدقات والجزية والخراج، وصرفها في مصالح المسلمين، إلى إجراء الحدود والقصاص ـ الذي يجب أن يكون تحت الاشراف المباشر للحاكم، ولا يستطيع ولي المقتول أن يقوم بذلك دون اشرافه ـ اضافة إلى حفظ الحدود وتنظيم المدن وسائر ما هنالك من أمور.

فكما كان الرسول الأكرم (ص) مسؤولاً عن تطبيق الأحكام، واقامة أنظمة الإسلام، وقد جعله الله تعالى رئيساً وحاكماً للمسلمين، وأوجب عليهم طاعته، فالفقهاء العدول أيضاً يجب أن يكونوا رؤساء وحكاماً، ومسؤولين عن تنفيذ الأحكام وإقرار النظام الاجتماعي للإسلام.

الحكومة الخاضعة للقانون

بما أن حكومة الإسلام هي حكومة القانون، فيجب أن يكون علماء القانون، بل والأهم علماء الدين ـ أي الفقهاء ـ هم القائمون بها، والمراقبون لجميع الأمور التنفيذية والإدارية، وإدارة التخطيط في البلاد. الفقهاء أمناء في إجراء الأحكام الإلهية، وأمناء في استلام الضرائب، وحفظ الثغور، واقامة الحدود. فيجب أن لا يتركوا قوانين الإسلام معطَّلة، أو يسمحوا بأن يزاد فيها وينقص. إذا أراد الفقيه إقامة حد الزنا على الزاني، فيجب أن يقوم بذلك بالشكل المحدد، فيأتي به أمام الناس، ويجلده مئة جلدة. فلا يحق له أن يضربه ضربة إضافية، ولا أن يفحش له بالقول، ولا أن يصفعه أو يحبسه يوماً واحداً.

وكذلك إذا قام باستلام الضرائب، فيجب أن يقوم بذلك طبق موازين الإسلام، أي يعمل وفقاً للقانون الإسلامي. فلا يحق له أن يأخذ فلساً واحداً زائداً. ويجب ألاَّ يسمح بوقوع الفوضى في بيت المال، أو بضياع فلس واحد. فلو قام الفقيه بعمل ما خلاف موازين الإسلام، فقد ارتكب فسقاً ـ والعياذ بالله ـ ينعزل عن الحكم تلقائياً، لأنه قد سقط عن كونه أميناً.

الحاكم في الحقيقة هو القانون. والجميع في كنف القانون وأمانه. والشعب والمسلمون أحرار ضمن دائرة الأحكام الشرعية، أي بعد أن يعملوا طبق المقررات الشرعية عندئذٍ لا يحق لأحد أن يتحكم بتصرفاتهم. إذ لا مجال لشيء من هذا، فلهم حريتهم. وهكذا تكون حكومة العدل الإسلامية، فهي ليست كتلك الحكومات التي تسلب الشعب الأمن، وتجعل الناس يرتجفون في بيوتهم خوفاً من مفاجآتها وأعمالها . كما كان الأمر في حكومة معأوية وأمثالها من الحكومات، حيث سلب الناس الأمن، وكانوا يقتلون أو ينفون، أو يسجنون مدداً طويلة على التهمة، أو مجرد الاحتمال.

تلك لم تكن حكومة إسلامية. فعندما تقام الحكومة الإسلامية يعيش الجميع في ظلها بأمن تام، دون أن يحق لأي حاكم أن يقوم بأي تصرفات مخالفة لأحكام وقانون الشرع المطهر.

إذاً فمعنى الأمين هو أن يقوم الفقيه بتطبيق جميع مقررات الإسلام على نحو الامانة، لا يقوم ببيان الأحكام فحسب. فهل الامام مجرد مبين للأحكام والقوانين فقط؟ وهل كان دور الانبياء مقتصراً على بيان الأحكام؛ ليكون الفقهاء أمناءهم في ذلك فحسب؟ لاشك أن بيان المسائل والقوانين من جملة الوظائف الفقهية، لكن الإسلام ينظر للقانون نظرة آلية، أي يعتبره وسيلة لتحقيق العدالة في المجتمع، ووسيلة للاصلاح العقائدي والأخلاقي وتهذيب الانسان. إنما الغاية من القانون هي اقامة وتطبيق الأنظمة الاجتماعية العادلة، وذلك بهدف تربية الانسان المهذب، لقد كانت الوظيفة المهمة للانبياء هي تطبيق الأحكام، والاشراف، وإدارة الحكومة.

لقد قرأت لكم رواية الامام الرضا (ع) حيث يقول: لو لم يجعل لهم إماماً قيّماً حافظاً مستودعاً لدرست الملة.... لقد ذكر (ع) ذلك كقاعدة عامة، فالناس يحتاجون إلى قيّم حافظ أمين. وفي هذه الرواية يقول المعصوم (ع) ان الفقهاء أمناء الرسل. فيستفاد من هذا الصغرى والكبرى أن الفقهاء يجب أن يكونوا رؤساء الأمة، لكي لا يسمحوا باندراس الإسلام وتعطيل أحكامه. وبما أن الفقهاء العدول لم يقيموا الحكومة في البلاد الإسلامية، ولم تطبق ولايتهم، فقد اندرس الإسلام، وعطَّلت أحكامه، وتحققت كلمة الامام الرضا (ع). وقد اثبتت التجربة صحة ذلك للجميع.

ألم يصبح الإسلام مندرساً في هذه الأيام، حيث أحكام الإسلام لا تنفذ في البلاد الإسلامية، ولا تطبق الحدود، وقد زال النظام الإسلامي، وسادت الفوضى والاهواء؟ هل يتحقق الإسلام بأن تكتب مفاهيمه في الكتب فحسب، فتكتب في الكافي مثلاً، ثم يوضع جانباً؟ فهل يكون قد حفظ الإسلام إذا لم تطبق الأحكام في الواقع الخارجي، ولم تنفذ الحدود، ولم ينل السارق جزاءه، ولا وصل للظالم والناصب والمختلس عقابه؟ واقتصروا على تقديم الاحترام للقانون مع وضعه جانباً، وقمنا بتجليل القرآن والمحافظة عليه، وقرأنا سورة يس كل ليلة جمعة؟

لقد وصل الأمر بنا إلى هذا الحد، لأن الكثير منا لم يفكر أصلاً أن الأمة الإسلامية يجب ان تدار من خلال الحكومة الإسلامية، فلم يقتصر الأمر على عدم اقامة النظم الإسلامية في البلاد الإسلامية، وتطبيق القوانين الفاسدة والظالمة بدلاً من قانون الإسلام، بل لقد بلت أنظمة الإسلام في أذهان السادة العلماء، بنحو صاروا يفسرون الفقهاء امناء الرسل بانهم أمناء في بيان الأحكام. فيتغافلون عن آيات القرآن، ويؤولون جميع هذه الروايات التي تدل على أن علماء الإسلام ولاة في زمن الغيبة، بأن المراد منها بيان الأحكام. فهل القيام بالامانة يكون بهذا النحو؟ ألا يجب على الأمين أن لا يسمح بتعطيل أحكام الإسلام، أو ببقاء المفسد دون عقاب؟ وأن لا يسمح بحصول هذه الدرجة من الفوضى والميل والحيف في الضرائب ومدخول البلاد، وبحصول مثل هذه التصرفات المرفوضة؟ من الواضح أن هذا من واجبات الأمين. ووظيفة الفقهاء هي أن يقوموا بالامانة، وعندها سيكونون أمناء وعدولاً.

لمن يكون منصب القضاء

عن محمد بن يحيى، عن محمد بن احمد، عن يعقوب بن يزيد، عن يحيى بن مبارك، عن عبدالله بن جبلّة، عن أبي جميلة، عن اسحاق بن عمار، عن أبي عبدالله (ع) قال: قال امير المؤمنين صلوات الله عليه لشريح: يا شريح، قد جلست مجلساً لا يجلسه (ما جلسه) إلا نبي أو وصي نبي أو شقي.

وحيث أن شريح لم يكن نبياً ولا وصي نبي، فقد كان شقياً جلس على مسند القضاء. لقد تولى شريح منصب القضاء في الكوفة من 50 إلى 60 عاماً، وكان من رجال الدين الذين تكلموا ببعض الأمور، وأصدروا الفتأوى، وقاموا ببعض التصرفات ضد الحكومة الإسلامية تزلفاً لحكومة معأوية. ولم يتمكن امير المؤمنين (ع) في خلافته من عزله، إذ لم يسمح له رجاله بذلك، وفرضوه على حكومة العدل بحجة كون الشيخين قد ولوه ذلك، وعزله مخالفه لهما. غاية الأمر أن الامام (ع) لم يسمح له بالقضاء بخلاف القانون.

القضاء للفقيه العادل

يستفاد من الرواية أن تولي منصب القضاء هو إما للنبي (ص) أو للوصي، ولا خلاف في أن الفقهاء العدول منصوبون للقضاء بتعيين من الائمة (ع) وأن القضاء من مناصبهم، وذلك بخلاف مسألة الولاية التي يرى البعض مثل المرحوم النراقي ومن المتأخرين المرحوم النائيني أن جميع المناصب والشؤون الاعتبارية التي للامام ثابتة للفقيه بينما البعض الآخر لا يرى ذلك. لكن لا اشكال في كون منصب القضاء للفقهاء، والمسألة تقريباً من الواضحات.

وحيث أن الفقهاء لا يمتلكون مقام النبوة، ولاشك في أنهم ليسوا مصداق الشقي فيجب أن نقول بالضرورة أنهم أوصياء، أي خلفاء الرسول الأكرم (ص).

نعم لم يتمسك بمثل هذه الروايات لكونهم يستفيدون من وصي النبي في المرتبة الأولى من الوصي غالباً. ولكن الحق أن دائرة مفهوم وصي النبي فيها توسعة، وتشمل الفقهاء أيضاً. نعم الوصي المباشر هو امير المؤمنين (ع) ومن بعده الأئمة (ع) حيث قد أحيلت أمور الناس اليهم. ولا يتصور أن منصب الحكومة أو القضاء قد كان شأنيّاً بالنسبة للأئمة (ع). لقد كانت الإمارة بالنسبة لهم مهمة لكونها تمكنهم من اقامة حكومة العدل، وتطبيق العدالة الاجتماعية ونشرها بين الناس فحسب، وإلا فإن المقامات المعنوية للائمة (ع) هي فوق ادراك البشر، ولا تتوقف على النصب والتعيين. إذ حتى لو لم يجعل النبي (ص) أمير المؤمنين وصيّاً له، فان مقامات الإمام المعنوية محفوظة. فليس مقام الحكومة والمنصب هو الذي يمنح الإنسان الشأن والمرتبة المعنوية، وانما المقام المعنوي هو الذي يؤهل الانسان للحكومة والمناصب الاجتماعية.

وعلى أية حال فنستنتج من الرواية أن الفقهاء هم أوصياء الدرجة الثانية للرسول الأكرم (ص) وأن الأمور التي أوكلت للأئمة (ع) من جانب الرسول (ص) ثابتة لهم أيضاً، ويجب أن يقوموا بجميع أعمال رسول الله (ص) كما قام بها أمير المؤمنين (ع).

والرواية الاخرى التي هي من أدلة المطلب أو مؤيداته، وهي أفضل من الرواية الأولى من ناحية السند والدلالة رويت من طريق الكليني، وهي من هذا الطريق ضعيفة، لكن الصدوق رواها إلى سليمان بن خالد وهو طريق معتبر وصحيح. والرواية بهذا النحو:

عن عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن محمد بن عبس، عن ابي عبدالله المؤمن، عن ابن مُسكان، عن سليمان بن خالد، عن ابي عبدالله (ع) قال: اتقوا الحكومة انما هي للامام العالم بالقضاء العادل في المسلمين، لنبي (كنبي) أو وصي نبي.

تلاحظ هنا أن من يريد ان يحكم (يقضي) فيجب أن يكون أولاً: إماماً. والامام هنا بالمعنى اللغوي الذي هو الرئيس والقائد، لا بالمعنى الاصطلاحي. ولذا اعتبر النبي إماماً أيضاً. ولو كان المراد الامام بالمعنى الاصطلاحي لكان التقييد بالعالم والعادل تقييداً بأمر زائد.

ثانياً: أن يكون عالماً بالقضاء. فلو كان إماماً دون أن يكون على علم بالقضاء، أي لا يملك الاطلاع على قوانين القضاء ومبادئه؛ فلا حق له في ممارسة القضاء.

ثالثاً: أن يكون عادلاً.

فالقضاء اذن هو لمن يمتلك هذه الشروط الثلاثة (اي الرئاسة والعلم والعدالة). ثم يقول (ع) ان هذه الشروط لا تنطبق إلا على نبي أو وصي نبي.

لقد ذكرت سابقاً أن منصب القضاء هو للفقيه العادل، وهذا الأمر من ضروريات الفقه، ولا خلاف فيه. فيجب أن نرى الآن أن شروط القضأوة موجودة في الفقيه أم لا. ومن الطبيعي أن المقصود هو الفقيه العادل، لا كل فقيه. الفقيه بالطبع عالم بالقضاء، لأن الفقيه لا يطلق على الشخص الذي يكون عالماً بقوانين ومباديء القضاء الإسلامية فقط، بل الذي يكون عالماً بالعقائد والقوانين والأنظمة والأخلاق أي الذي يكون خبيراً بالدين بكل ما للكلمة من معنى. وعندما يكون الفقيه عادلاً، فقد حاز شرطين، والشرط الآخر هو أن يكون إماماً، أي رئيساً. وقد قلنا أن الفقيه العادل يمتلك مقام الإمامة والرئاسة لأجل ممارسة القضاء، وذلك بحسب تعيين الإمام (ع).

وقد حصر عندها الامام (ع) وجود هذه الشروط في نبي أو وصي نبي. وبما أن الفقهاء ليسوا أنبياء، فهم اذن أوصياء للنبي أي خلفاؤه. بناءً على هذا يتضح ذلك المجهول من هذا المعلوم، فيكون الفقيه وصياً للرسول الأكرم (ص) ويكون في عصر الغيبة إمام المسلمين ورئيس الأمة، ويجب أن يكون هو القاضي، ولا حق لغيره في القضأوة والحكم.

لمن الرجوع في الحوادث الاجتماعية المستجدة

الرواية الثالثة هي التوقيع الذي استدل به. ونحن نطرح كيفية الاستدلال: في كتاب اكمال الدين واتمام النعمة عن محمد بن محمد بن عصام، عن محمد بن يعقوب، عن إسحاق بن يعقوب قال: سألت محمد بن عثمان العمري أن يوصل لي كتاباً قد سألت فيه عن مسائل اشكلت عليَّ. فورد التوقيع بخط مولانا صاحب الزمان (ع) اما ما سألت عنه أرشدك الله وثبَّتك (إلى ان قال) : أما الحوادث الواقعة، فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا، فإنهم حجتي عليكم، وأنا حجة الله. وأما محمد بن عثمان العمري فرضي الله عنه وعن أبيه فانه ثقتي، وكتابه كتابي. ليس المقصود بالحوادث الواقعة المذكورة في هذه الرواية المسائل والأحكام الشرعية، فلا يريد الكتاب (السائل) ان يسأل ما العمل حول الأحكام المستجدة، لأن هذا الموضوع كان من الواضحات في مذهب الشيعة، وهناك روايات متواترة على لزوم الرجوع في المسائل إلى الفقهاء وقد كانوا في زمان الأئمة (ع) يرجعون للفقهاء ويسألونهم. فمن يكون في زمان صاحب الامر (ع) وله علاقة بالنواب الاربعة ويكتب الرسائل للامام ويتلقى الجواب، يعرف لمن يجب عليه الرجوع لأجل الاطلاع على الأحكام.

فالمقصود بالحوادث الواقعة هي الحوادث الاجتماعية المستجدة والمشاكل التي تواجه المسلمين. كان سؤاله بشكل عام، وبنحو مموَّه انه: نحن الآن لا نستطيع الوصول إليك، فماذا يجب أن نفعل تجاه المستجدات الاجتماعية؟ وما هو التكليف؟ أو أنه ذكر بعض الحوادث وسأل أنه: لمن نرجع في هذه الحوادث؟ والذي يبدو في النظر أنه قد سأل بشكل عام، والامام أجابه طبق السؤال انه في الحوادث والمشاكل ارجعوا إلى رواة أحاديثنا ـ أي الفقهاء ـ فهؤلاء حجتي عليكم وأنا حجة الله عليكم.

ما معنى حجة الله؟ انتم ماذا تفهمون من كلمة حجة الله؟ هل تعني أن خبر الواحد حجة؟ وانه اذا نقل زرارة رواية ما، تكون حجة؟ وأن الامام (ع) مثل زرارة فيما لو روى خبراً عن رسول الله (ص) فيجب أن نقبله ونعمل به؟ فما يقولونه من أن ولي الامر حجة الله، هل هو حجة في المسائل الشرعية لكي يبين لنا الأحكام؟ فعندما يقول الرسول الأكرم (ص) أني راحل وامير المؤمنين (ع) حجتي عليكم، فهل تفهمون من ذلك أنه عندما يرحل النبي (ص) تتعطل جميع الأمور، ويبقى مجرد بيان الأحكام الذي قد أوكل إلى أمير المؤمنين (ع) أم أن حجة الله تعني أنه كان الرسول (ص) حجة ومرجعاً لجميع الناس، حيث عينه الله تعالى ليرجعوا اليه في جميع الاعمال، فالفقهاء أيضاً مسؤولون عن الأمور، ومراجع عامة لجماهير الناس؟

حجة الله هو الشخص الذي نصبه الله لتنفيذ أمور معينة، وجميع اعماله وتصرفاته واقواله حجة على المسلمين. فلو تخلف أحدهم، قام بالاحتجاج عليه (واقامة البرهان والدعوى). وإذا أصدر أمراً حول عمل ما، أو إقامة حد، أو تصرف في الغنائم، أو الزكاة والصدقات بنحو من الأنحاء، ولم يُلتزم به، فإن الله يحتج عليكم يوم القيامة. وإذا رجعتم في دعأويكم إلى السلطة الظالمة مع وجود الحجة، فإن الله تعالى سوف يحتج عليكم يوم القيامة بأنه قد أقام لكم الحجة، فلماذا رجعتم إلى الظلمة وأجهزتهم القضائية. إن الله تعالى يحتج بأمير المؤمنين (ع) على الذين تخلفوا عنه وانحرفوا، ويحتج على الذين تصدوا للخلافة، وعلى معأوية وخلفاء بني امية وبني العباس، وعلى أولئك الذين يعملون وفق آرائهم بسبب تسلمهم لزمام المسلمين غصباً. فأنتم لا تملكون اللياقة المطلوبة، فعلام غصبتهم الخلافة والحكومة؟

إن الله تعالى سوف يطالب حكام الجور، وكل حكومة تتصرف بخلاف الموازين الشرعية الإسلامية، سوف يطالبهم بظلمهم، وبتلاعبهم بأموال المسلمين، سيطالبهم على اقامة ذلك الاحتفال بمناسبة مرور آلاف السنين (على الامبراطورية الفارسية) وسيطالبهم على صرفهم اموال الشعب على احتفال التتويج الباذخ إذا كانوا يقولون أنهم لا يستطيعون تحقيق العدالة مع أوضاع هذه الأيام، أو أنهم لا يستطيعون التخلي عن امتلاك القصور الفخمة والعمارات المجللة، وأنهم قاموا بجعل التتويج لتعريف دولتنا، وإظهار تقدمنا ورقِّينا للشعوب، فسوف يقال لهم: أن أمير المؤمنين (ع) كان حاكما أيضاً، كان حاكما على المسلمين وعلى الأراضي الإسلامية الشاسعة، فهل أنتم اكثر حرصا منه على شرف الإسلام والمسلمين وبلاد المسلمين؟ أم هل كانت بلادك أكبر من بلاده؟ إنّ بلادك منطقة من مناطق حكومته. إذ كانت العراق ومصر والحجاز وايران كلها ضمن دائرة حكمه، في نفس الوقت كان دار حكومته المسجد، ودكة القضاة عنده زأوية من المسجد، وكان يجهز الجيش في المسجد، ومنه يتحرك، وكان المصلون وأصحاب العقيدة يذهبون إلى الحرب. ولقد رأيتم كيف كانوا يتقدمون، ومدى الانجازات التي حققوها.

فقهاء الإسلام اليوم حجة على الناس كما كان رسول الله (ص) حجة الله، وجميع الأمور بيده، وكل من تخلف عنه تقام الحجة عليه. فالفقهاء حجة على الناس من قبل الامام (ع) وجميع الأمور، وكل مسائل المسلمين موكولة اليهم. وكل من يتخلف عنهم في أمر الحكومة، وإدارة أمور المسلمين، وأخذ الواردات العامة وصرفها، فسوف يحتج الله تعالى عليه. ليس هناك أي اشكال حول دلالة الرواية التي ذكرناها، غاية الأمر في سندها شيء من التأمل واذا لم تكن دليلا فهي مؤيد للمطالب التي ذكرناها.

آيات من القرآن المجيد

الرواية الاخرى التي هي من مؤيدات بحثنا هي مقبولة عمر بن حنظلة وبما أنه قد تمسك في هذه الرواية بآية من القرآن، فيجب في البدء أن نبحث في تلك الآية والآيات التي قبلها، ونوضح معناها إلى حد ما، ومن ثم نبحث حول الرواية.

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

بسم الله الرحمن الرحيم

{إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل إن الله نعمَّا يعظكم به إن الله كان سميعاً بصيراً * يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردّوه إلى الله وإلى الرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا}.

أمر الله تعالى (في هذه الآيات) برد الأمانات إلى أهلها. ويرى البعض أن الأمانات هنا مطلقة فهي تشمل الأمانات المتعلقة بالخلق (مال الناس) أو المتعلقة بالخالق (الأحكام الشرعية) والمقصود من رد الأمانة الإلهية هو إجراء الأحكام الإسلامية كما هي، بينما يعتقد البعض الآخر أن المراد من الأمانة هي الإمامة، وقد ورد في الرواية أيضاً أن المقصود بالآية هم نحن (اي الائمة (ع)) أي أن الله تعالى أمر ولاة الأمر الرسول الأكرم (ص) والائمة (ع) برد الولاية والإمامة إلى أهلها، وذلك بأن يرجع الرسول الأكرم (ص) الولاية إلى امير المؤمنين، والامير (ع) يرجعها إلى الولي من بعده، وهكذا.

ويقول تعالى في ذيل الآية: {وإذا حكمتم بين الناس إن تحكموا بالعدل}. الخطاب هنا لأصحاب السلطة والحكم، لا للقضاة. إذ القاضي يقضي ولا يحكم بكل معنى الكلمة، وإنما هو حاكم يحكم من جهة من الجهات، وذلك لأنه إنما يصدر الحكم القضائي فقط لا التنفيذي. كما أن القضاة في أشكال الحكم في القرون المتأخرة يشكلون إحدى السلطات الثلاث الحاكمة، لا جميع الحاكمين، والسلطتان الباقيتان هما مجلس الوزراء (السلطة التنفيذية) ومجلس النواب (مجلس التخطيط والتشريع). فالقضاء أحد أقسام الحكومة، وواحد من مسؤولياتها، وتشمل القاضي وجميع الحكام. وعندما يتقرر أن جميع الأمور الدينية هي عبارة عن امانة الهية، وهذه الأمانة يجب أن ترد إلى أهلها، فإحدى هذه الأمور: الحكومة. وبمقتضى الآية الشريفة يجب أن يكون كل أمر من أمور الحكومة طبق موازين العدالة، أي طبق مباني قانون الإسلام وحكم الشرع. فعلى القاضي ألاَّ يحكم بالباطل، أي لا يصدر حكماً مبنيّاً على قانون محرم غير إسلامي، يكون شيء من قواعد حكمه، أو القانون الذي يحكم طبقاً له غير إسلامي، والذين يقومون بعملية التخطيط في المجلس إذا ارادوا التخطيط للوضع المالي في البلاد، فلتكون الضرائب الخراجية التي يضعونها على مزارعي الاملاك العامة محددة بنحو عادل، ولا يتكون بنحو يعجزهم. إذ ثقل الضرائب يؤدي إلى القضاء عليهم وخراب الاملاك والزراعة. وإذا ارادت السلطة التنفيذية تنفيذ الأحكام القضائية وإقامة الحدود مثلاً، فيجب ألا يتجأوزوا القانون، فلا يضربوا المذنب سوطاً زيادة عن الحد ولا يهينوه. أمير المؤمنين (ع) بعد ان يقطع ايدي اثنين من اللصوص يقدم لهم من العطف والمحبة والضيافة ما يجعلهما من مادحيه، وعندما يسمع بأن جيش معأوية قد انتزع خلخالاً من معصم امرأة ذمِّية يبلغ به حد الانزعاج والأسى إلى أن يقول في خطبته: فلو أن مسلماً مات من بعد هذا أسفاً ما كان به ملوماً بل كان به عندي جديراً ومع هذه العاطفة نراه يحمل السيف أحياناً ويقتلع المفسدين بكل شدة وقوة.

هذا هو معنى العدالة. الحاكم العادل هو رسول الله (ص) فهو عندما يأمر بأخذ مكان ما، أو حرق بيت، أو القضاء على جماعة مضرة للإسلام والمسلمين وللناس، فإنما يكون قد حكم بالعدل. ولو لم يحكم بما حكم في موارد كهذه، لكان ذلك منافياً للعدالة، لأنه لا يكون قد لاحظ حال الإسلام والمسلمين، وحال المجتمع البشري. فالحاكم على المسلمين أو على المجتمع البشري يجب أن يلاحظ دوما الجهات والمصالح العامة، وأن يعرض عن ملاحظة الجهات والعواطف الشخصية. لذا قضى الإسلام على كثير من الاشخاص لأجل مصلحة المجتمع والبشرية، وقطع جذور الكثير من الجهات لأنها كانت مصدر فساد ومضرة للمجتمع. قام رسول الله (ص) بالقضاء على يهود بني قريظة لأنهم كانوا جماعة مضرة، وتقوم بايجاد الفساد في المجتمع الإسلامي، وتضر بالإسلام وبالحكومة الإسلامية. وفي الاساس فإن هاتين الصفتين من صفات المؤمنين: أن ينفذ العدالة بكل جرأة وشدة في موضعها ولا يبدي أية عاطفة. وفي مورد العطف يبدي كل المحبة والشفقة. ويكون مأمناً للمجتمع، يعيش المسلم وغير المسلم في ظل حكومته في أمن وطمأنينة وراحة بال دونما خوف. إن سبب خوف الناس من هؤلاء الحكام هو أن حكوماتهم ليست طبق القواعد والقوانين، وإنما هي فرعونية.

لكن في حكومة شخص كأمير المؤمنين (ع) في الحكومة الإسلامية لا خوف إلاّ للخائن والظالم والمعتدي، أما عامة الناس فلا معنى للخوف بالنسبة لهم.

ويقول تعالى في الآية الثانية: {يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم...}.

ورد في الرواية أن الآية الأولى {أن تردوا الأمانات إلى أهلها} تتعلق بالأئمة (ع) وآية الحكم بالعدل {واذا حكمتم بين الناس} متعلقة بالأمراء، وآية {اطيعوا الله} هي خطاب للمجتمع الإسلامي فتأمرهم أن يطيعوا الله ورسوله (ص) وأولي الأمر، أي الأئمة، ويتبعوهم في الأحكام الالهية. فيتبعوهم في تعاليمهم، ويطيعون أحكامهم الحكومية.

لقد ذكرت أن إطاعة أمر الله تعالى غير طاعة الرسول (ص) فجميع العباديات وغير العباديات (من أحكام الشرع الالهي) هي أوامر الله عز وجل. فرسول الله (ص) ليس له أي أمر في باب الصلاة. وإذا ألجأ الناس إلى الصلاة فهو إنما ينفذ حكم الله. ونحن أيضاً عندما نصلي، إنما نطيع أمر الله تعالى.

بينما أوامر الرسول الأكرم (ص) هي تلك التي تكون صادرة عنه، وتكون أمراً حكومياً. كأمره مثلاً بالالتحاق بجيش أسامة، أو بالمرابطة في الثغور، أو بجمع الضرائب بشكل معين، أو بمعاشرة الناس بنحو معين ... فهذه أوامر الرسول (ص). لقد الزمنا الله تعالى أن نطيع الرسول الأكرم، كا أمرنا أيضاً بطاعة أولى الامر والمراد منهم بحسب ضرورة مذهبنا: الأئمة (ع)، فطاعة أولي الأمر التي تكون في الأحكام والأوامر الحكومية، غير طاعة الله أيضاً. نعم حيث أن الله أمرنا أن نطيع الرسول وأولي الأمر، فمن هذا الباب تكون اطاعتنا لهم إطاعة لله في الحقيقة.

يقول تعالى في تتمة الآية {.. فان تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلاً}.

التنازع الذي يحصل بين الناس على نوعين: الأول أن تختلف جماعتان أو شخصان على موضوع ما، فيدعي احدهم مالاً على الآخر مثلاً، بينما ينكر الآخر، ويحتاج الموضوع إلى اثبات شرعي أو عرفي. ففي هذا المورد يجب الرجوع إلى القضاة حيث يقوم القاضي بالتحقيق في الموضوع والحكم فيه. فهذه دعأوي حقوقية.

والنوع الثاني أن لا يكون اختلاف في البين، وانما تكون المسألة ظلم واعتداء، كأن يأخذ أحد السوقة مال شخص من الاشخاص بالقوة، أو يأكل مال الناس، أو يدخل لص إلى بيت أحد الأشخاص، ويأخذ ماله. ففي هذه الموارد ليس القاضي هو المرجع والمسؤول، وانما هو المدعي العام. إذ في هذه الموارد التي هي موارد جزائية ـ لا حقوقية ـ وأحياناً تكون جزائية وحقوقية معا، فالذي يشرع بالعمل ابتداءً هو المدعي العام الذي يقوم بالمحافظة على الأحكام والقوانين، ويُعد المدافع عن المجتمع. ومن ثم يصدر طلباً بمعاقبة المذنب، وعندما يرفع للقاضي يحكم عليه. وهذه الأحكام ـ سواء كانت حقوقية أو جزائية ـ تنفذ بواسطة مجموعة اخرى من الحكام الذين هم السلطة التنفيذية.

يقول القرآن الكريم: {واذا تنازعتم} ففي أي أمرٍ تنازعون فيه، فالمرجع في الأحكام هو الله تعالى، وفي التنفيذ رسول الله (ص). فالرسول الأكرم (ص) يجب أن يأخذ أحكام الله وينفذها، إذا كان الموضوع موضوع اختلاف، فالرسول (ص) يتدخل بصفته قاضياً ويقوم بالحكم والقضأوة. واذا كانت نزاعات اخرى من قبيل: أكل الحق والتسلط، فالمرجع هو رسول الله (ص) أيضاً. وهو باعتباره رئيس الدولة الإسلامية ملزم بالنظر في الشكأوي، فيرسل الشرطة، ويأخذ الحق ويرده إلى أصحابه، فالذي يجب أن يعلم هو أن الرسول (ص) هو المرجع في جميع الأمور، وكذلك الإئمة (ع). واطاعة الأئمة (ع) اطاعة للرسول (ص) أيضاً.

والخلاصة: أن الآيات الأولى {إذا حكمتم بين الناس} والثانية {أطيعوا الله وأطيعوا الرسول} وآية {فإن تنازعتم في شيء} تتحدث عما هو أعم من الحكومة والقضاء، فلا اختصاص لها بباب القضاء. هذا بغض النظر عن كون بعض الآيات لها ظهور في الحكومة بالمفهوم الاجرائي.

ويقول تعالى في الآية التالية: {ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل اليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به...}.

اذا لم نقل أن المراد من الطاغوت خصوص حكومات الجور والسلطات غير الشرعية بشكل عام، والتي قد طغت وأقامت حكومة مقابل الحكومة الإلهية، فيجب أن نقول أنه أعم من القضاة والحكام. إذ أن الرجوع في المسائل القضائية يكون غالباً إلى القضاة، وينفذ حكم القضاء السلطة التنفيذية التي تمثل الحاكم عادة.

فحكومات الجور سواء القضاة، أم المنفذون، أم غيرهم من المسؤولين كلهم طاغوت لأنهم عصوا حكم الله، وطغوا بالنسبة له. فوضعوا القوانين حسب أهوائهم، وقاموا بتنفيذها والقضاء وفقها. وقد امرنا الله تعالى أن نكفر بهم، أي أن نعصي أوامرهم وأحكامهم. ومن البديهي أن ذلك يستتبع مسؤوليات ثقيلة يجب السعي للقيام بها بحسب الوسع والإمكان.

مقبولة عمر بن حنظلة

والآن نقوم بدراسة مقبولة عمر بن حنظلة لنرى ما الذي تدل عليه.

روي محمد بن يعقوب، عن محمد بن يحيى، عن محمد بن الحسين، عن محمد بن عيسى، عن صفوان بن يحيى، عن داود بن الحصين، عن عمر بن حنظلة قال: سألت ابا عبدالله (ع) عن رجلين من أصحابنا بينهما منازعة في دَين أو ميراث، فتحاكما إلى السلطان وإلى القضاة، أيحل ذلك؟ قال: من تحاكم اليهم في حق أو باطل فإنما تحاكم إلى الطاغوت، وما يحكم له فإنما يأخذه سحتاً وإن كان حقاً ثابتاً له، لأنه بحكم الطاغوت وما أمر الله أن يكفر به. قال الله تعالى: {يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به}. قلت: فكيف يصنعان؟ قال: ينظران من كان منكم قد روى حديثاً، ونظر في حلالنا وحرامنا، وعرف أحكامنا.. فليرضوا به حكماً. فاني قد جعلته عليكم حاكماً.

كما يتحصل من صدر وذيل هذه الرواية، ومن استشهاد الامام (ع) بالآية الشريفة، فإن موضوع السؤال كان حكماً عاماً، كما أن الامام (ع) قد بين التكليف العام. وقد ذكرت الرجوع في الدعأوي الحقوقية والجزائية إلى القضاة، وإلى المسؤولين التنفيذيين والحكوميين بشكل عام. فالرجوع إلى القضاة يكون لأجل اثبات الحق، وفصل الخصومات، وتعيين العقوبة. والرجوع إلى السلطة لأجل إلزام الطرف الآخر في الدعوى بقبول النتيجة، أو لتنفيذ الحكم الحقوقي أو الجزائي. ففي هذه الرواية يُسأل الامام (ع) عن جواز الرجوع إلى سلاطين الجور وقضاتهم.

تحريم التحاكم إلى السلطات غير الشرعية

ويجيب الامام (ع) بالنهي عن الرجوع إلى دوائر الحكومات غير الشرعية، سواء التنفيذية أو القضائية. ويقول بأنه على الشعب المسلم ألا يرجع في أموره إلى سلاطين وحكام الجور والقضاة العاملين لديهم، حتى لو كان حق الشخص المراجع ثابتاً، ويريد الرجوع لاحقاقه وتحصيله. فإذا قتل ابن المسلم، أو نهب بيته، فلا حق له أيضاً في الرجوع إلى حكام الجور للتقاضي. كما أنه لو كان دائناً وعنده شاهد حي، فلا يستطيع الرجوع إلى القضاة التابعين للظلمة العاملين لديهم. ومن رجع إليهم في موارد كهذه فقد رجع إلى الطاغوت، أي السلطات غير الشرعية. وما يأخذه من حق بواسطتهم فإنما يأخذه سحتاً، وإن كان حقاً ثابتاً له، فهو حرام، ولا حق له في التصرف فيه. حتى أن بعض الفقهاء قال بذلك في الاعيان الشخصية أيضاً، كما لو سرقت عباءة شخص مثلاً. فإذا استردها بواسطة حكام الجور فلا حق له في التصرف فيها. ونحن إن لم نقل ذلك الحكم في موارد الاعيان الشخصية، لكن لاشك عندنا فيه بالنسبة للأعيان الكلية. ومثالها أن يكون للشخص دين في ذمة شخص آخر، ورجع من أجل استرداده إلى المرجع والحكومة غير الشرعية، وتوصل إلى حقه من خلالها، فالتصرف فيه حرام. وهذا ما تقتضيه موازين الشرع.

الحكم السياسي للإسلام

هذا حكم سياسي للإسلام. حكم يبعث على امتناع المسلمين عن الرجوع إلى السلطات غير الشرعية والقضاة التابعين لهم، وذلك لكي تتوقف الأجهزة الحكومية الجائرة وغير الإسلامية، وتتعطل هذه المحاكم الطويلة العريضة التي لا يعود للناس منها سوى التعب والمشقة، وتفتح الطريق إلى ائمة الهدى (ع) وإلى الاشخاص الموكل اليهم حق الحكم والقضأوة من قبلهم.

والهدف الأساسي هو عدم السماح للسلاطين والقضاة التابعين لهم بأن يكونوا مرجعاً للأمور، وبأن يتبعهم الناس في ذلك. فقد أعلن الأئمة (ع) للأمة الإسلامية أن هؤلاء ليسوا بمرجع، والله تعالى أمر الناس بالكفر بهم (وعصيانهم). والرجوع اليهم يتنافى مع الكفر بهم، فإذا كنت كافراً بهم وتراهم ظالمين وغير لائقين، فيجب ألا ترجع إليهم.

مرجع الأمور علماء الإسلام

بناءاً على هذا، فما هو تكليف الامة؟ وما الذي يجب عليهم عمله في الحوادث والمنازعات؟ وإلى من يرجعون؟

قال (ع) : ينظران من كان منكم ممن قد روى حديثنا، ونظر في حلالنا وحرامنا وعرف أحكامنا. فالامام (ع) لم يترك شيئاً مبهماً ليقول البعض اذن فرواة الحديث هم المرجع والحاكم. بل ذكر كل الجهات وقيد (الرواة) بكونهم ممن نظر في الحلال والحرام وفقا للقواعد، وله معرفة بالأحكام، ويمتلك الموازين لتمييز الروايات الصادرة على خلاف الواقع للتقية أو لاسباب أخرى عن غيرها، ومن الواضح أن معرفة الأحكام ومعرفة الحديث أمر آخر غير نقل الحديث.

العلماء منصوبون للحكم

يقول (ع) : فإني قد جعلته عليكم حاكماً أي منصوباً من قبلي للحكم والامارة، وللقضاء بين المسلمين. ولا يحق للمسلمين أن يرجعوا إلى غيره.

وبناءاً عليه، فلو اعتدى أحدهم على مال لكم، فالمرجع في الشكوى هي السلطة التي عينها الامام (ع). وإذا تنازعتم مع أحد على دَين، واحتجتم إلى اثبات ذلك، فالمرجع هو ذلك القاضي الذي عينه (ع) أيضاً، ولا حق لكم في الرجوع إلى غيره. وهذه وظيفة جميع المسلمين، وليس تكليفاً خاصاً بعمر بن حنظلة حين يواجه تلك المشكلة.

فأمر الإمام (ع) هذا عام وكلي. فكما كان أمير المؤمنين (ع) في زمان حكومته يعين الحكام والولاة والقضاة، وكان على جميع المسلمين أن يطيعوهم، فالإمام الصادق (ع) أيضاً بما أنه ولي الامر المطلق، وله الولاية على جميع العلماء والفقهاء والناس، فهو يستطيع أن يعيّن الحكام والقضاة لزمان حياته، ولما بعد مماته. وقد قام بذلك وجعل هذا المنصب للفقهاء. وإنما قال حاكماً لكيلا يتوهم البعض أن الأمر مختص بالمسائل القضائية، ولا يشمل سائر أمور الحكم والدولة.

ويستفاد أيضاً من صدر وذيل الرواية والآية التي ذكرت فيها أن الموضوع ليس مجرد تعيين قاضٍ وحسب، فالامام لم يكتف بتعيين قاض فقط، دون أن يتعرض لبيان التكليف حول سائر أمور المسلمين الاخرى، بشكل يبقى أحد السؤالين ـ والذي يرجع إلى التحاكم عند السلطات التنفيذية ـ بلا جواب.

هذه الرواية من الواضحات، وليس ثمة وسوسة في سندها ودلالتها فلا ترديد في أن الامام (ع) قد عين الفقهاء لأجل الحكومة والقضاء. وعلى جميع المسلمين إطاعة امر الامام (ع) هذا.

ولأجل توضيح المطلب بشكل أفضل، وتأييده بروايات أخرى، نأتي برواية ابي خديجة أيضاً:

روى محمد بن الحسن باسناده عن محمد بن علي بن محبوب، عن أحمد بن محمد، عن الحسين بن سعيد، عن ابي الجهم، عن ابي خديجة قال: بعثني ابو عبدالله (ع) إلى أصحابنا فقال: قل لهم: إياكم إذا وقعت بينكم خصومة، أو تدارى في شيء من الأخذ والعطاء أن تحاكموا إلى أحد من هؤلاء الفساق. اجعلوا بينكم رجلاً قد عرف حلالنا وحرامنا؛ فإني قد جعلته عليكم قاضياً. وإياكم أن يخاصم بعضكم بعضاً إلى السلطان الجائر المراد من التداري في شيء المذكور في الرواية هو الاختلاف الحقوقي. فالمعنى أن لا ترجعوا إلى هؤلاء الفساق في الاختلافات الحقوقية والمنازعات والدعأوي. ومن قوله بعد ذلك إني قد جعلته عليكم قاضياً يتضح أن المقصود من الفساق هم القضاة المعينون من قبل سلاطين ذلك الوقت، والحكام غير الشرعيين. ويقول (ع) في ذيل الحديث: وإياكم أن يخاصم بعضكم بعضاً إلى السلطان الجائر. أي لا ترجعوا في الأمور ذات العلاقة بالسلطة التنفيذية هؤلاء الحكام غير الشرعيين. ولئن كان السلطان الجائر هو كل حاكم جائز وغير شرعي بشكل عام، ويشمل جميع الحكام غير الإسلاميين، والسلطات الثلاث القضائية والتشريعية والتنفيذية جميعاً، لكن بالالتفات إلى أنه قد نهى قبل ذلك عن الرجوع إلى قضاة الجور، يتضح أن المراد بهذا النهي فريق آخر، وهم السلطة التنفيذية. والجملة الأخيرة بالطبع ليست تكراراً للكلام السابق، أي النهي عن الرجوع إلى الفساق، وذلك لأنه قد نهى أولاً عن الرجوع إلى القاضي الفاسق في الأمور المتعلقة به من التحقيق، وإقامة البيّنة، وامثال ذلك. وأوضح وظيفة اتباع القاضي الذي عينه. ثم منع بعد ذلك من الرجوع إلى السلاطين أيضاً، مما يدل على أن باب «القضاء» غير باب الرجوع إلى السلاطين، وأنهما صنفان. وفي رواية عمر بن حنظلة حيث نهى عن التحاكم إلى السلاطين والقضاة أشار إلى كلا الصنفين. غاية الأمر أنه هنا إنما عين القاضي فقط، بينما في رواية عمر بن حنظلة عين الحاكم المنفذ والقاضي كلاهما.

هل العلماء معزولون عن منصب الحكومة؟

لقد جعل الامام (ع) منصب القضاء في حياته للفقهاء ـ وفقاً لهذه الرواية ـ بينما جعل لهم منصب القضاء والرئاسة وفقاً لرواية عمر بن حنظلة. والآن يجب أن نرى أنه هل ينعزل الفقهاء بانفسهم عن هذه المناصب بموت الامام (ع) ؟ وهل ينعزل جميع القضاة والأمراء الذين ينصبهم الأئمة عن تلك المناصب بموتهم (ع) ؟

بغض النظر عن كون وضع ولاية الامام (ع) تختلف عن الآخرين، وأن جميع أوامر الائمة (ع) وتعاليمهم واجبة الاتباع ـ بناءاً على مذهب الشيعة ـ سواءاً في حياة الائمة (ع) أو بعد مماتهم، فلنر وضع مناصب ومراكز الاشخاص في الدنيا بأي نحو؟

ففي انظمة الدنيا سواءاً في ـ الانظمة الملكية أو الجمهورية ـ لا تلغي المناصب والمراكز العسكرية والتنظيمية بمجرد وفاة رئيس الجمهورية أو السلطان، أو تبديل الأوضاع وتغيير النظام. فلا تلغى رتبة ذوي الرتب العسكرية، ولا يعزل السفراء من وظائفهم، وكذا المحافظ والقائمقام ومدير الناحية. نعم تستطيع الحكومة الجديدة أن تعزلهم، لكن لا ينعزلون تلقائياً. هناك بعض الأمور تلغى وتزول بنفسها مثل الاجارة الحسبية، أو الوكالة التي يعطيها الفقيه لشخص في بلد ما لإنجاز بعض الأمور. فهذه الأمور تبطل بموت الفقيه. أما لو عيَّن الفقيه قيِّماً للصغار مثلاً، أو متوليَّاً لبعض الأوقاف، فهذه المناصب لا تلغي بموته.

مناصب العلماء باقية مستمرة

وكذلك مقام الرئاسة والقضاء الذي عيَّنه الائمة (ع) لفقهاء الإسلام، فهو مستمر وباق. فالإمام (ع) الذي هو ملتفت لجميع الجهات، ولا إمكان للغفلة في عمله، يعرف أنه في حكومات الدنيا تبقى المناصب مستمرة حتى لو مات الرئيس. فلو كان يريد سلب حق الرئاسة والقضأوة من الفقهاء بعد وفاته لكان يجب أن يعلن أن ذلك المنصب للفقهاء إنما كان فترة حياته فحسب، وأنهم بعد رحيله معزولون. فظهر إذن أن الفقهاء منصوبون من قبل الامام (ع) لمنصب الحكومة والقضاء، وأن هذا المنصب لهم باق دائماً. واحتمال كون الامام المتأخر قد نقض هذا الحكم، وعزلهم عن ذلك المنصب، احتمال باطل. إذ عندما ينهى الامام (ع) عن الرجوع إلى سلاطين الجور وقضاتهم، ويقول أن الرجوع اليهم رجوع إلى الطاغوت، ويتمسك بالآية الشريفة التي تأمر بالكفر بالطاغوت، ومن ثمَّ ينصب (الفقهاء) قضاة وحكاماً للناس، فلو ألغي الامام المتأخر هذا الحكم، ولم ينصب حاكماً وقاضياً آخر، فما هو تكليف المسلمين؟ ولمن يجب عليهم الرجوع في الاختلافات والمنازعات؟ هل يرجعون إلى الفساق والظلمة، والذي هو رجوع إلى الطاغوت، ومخالف لأمر الله؟ أم يبقون دون مرجع وملجأ، وتعمّ الفوضى؟ وليفعل كل امرئ ما يريد من اكل حق، أو سرقة أو سواها؟

نحن على يقين من ان الامام الصادق (ع) قد جعل هذا المنصب للفقهاء، وأن الامام موسى بن جعفر (ع) والائمة المتأخرين عنه لم ينقضوه. إذ لا يمكن أن ينقضوه وينهوا عن الرجوع إلى الفقهاء العدول، أو يجيزوا الرجوع إلى السلاطين الجائرين، أو يأمروا بترك الحقوق تضيع دون مطالبة أو قيام بأي عمل. نعم لو نصب أحد الأئمة قاضياً لمدينة ما، يستطيع الامام المتأخر عنه أن يعزله، وينصب قاضياً آخر مكانه، لكنه لا يستطيع نسف كل المراتب والمناصب بشكل مطلق. وهذا من الواضحات.

والآن نأتي ببعض الروايات التي تؤيد مسألتنا، والتي لو كان الدليل منحصراً بها لما استطعنا اثبات المدعى؛ لكن اساس المطلب قد فُرغ عنه، والروايات التي ذكرناها فيما مر كانت تامة الدلالة.

صحيحة القداح

روى علي بن ابراهيم، عن ابيه، عن حماد بن عيسى، عن القداح (عبد الله بن ميمون) عن ابي عبد الله (ع) قال: قال رسول الله (ص) : من سلك طريقاً يطلب فيه علما، سلك الله به طريقا إلى الجنة. وإن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضا به. وإنه يستغفر لطالب العلم من في السماء ومن في الارض، حتى الحوت في البحر. وفضل العالم على العابد كفضل القمر على ساير النجوم ليلة البدر. وإن العلماء ورثة الانبياء. إن الأنبياء لم يورِّثوا دينارا ولا درهما، ولكن ورَّثوا العلم. فمن أخذ منه أخذ بحظ وافر رجال الحديث كلهم ثقات، حتى أن والد علي بن ابراهيم (ابراهيم بن هاشم) من كبار الثقات (المعتمدين في نقل الحديث) فضلاً عن كونه ثقة. وهذه الرواية قد نقلت باختلاف يسير في المضمون بسند آخر ضعيف. أي أن السند إلى ابي البختري صحيح، لكن نفس ابي البختري ضعيف. والرواية هي:

عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن محمد بن خالد، عن أبي البختري، عن ابي عبد الله (ع) قال: إن العلماء ورثة الانبياء. وذاك أن الانبياء لم يورِّثوا درهماً ولاديناراً، وإنما أورثوا أحاديث من أحاديثهم. فمن أخذ بشيء منها فقد أخذ حظاً وافراً. فانظروا علمكم هذا عمَّن تأخذونه. فإن فينا أهل البيت في كل خلف عدولا ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجأهلين.

تحليل الرواية:

إن غايتنا من نقل هذه الرواية، والتي قد تمسك بها المرحوم النراقي أيضاً، هو توضيح معنى جملة العلماء ورثة الانبياء الواردة فيها. وهنا عدة ابحاث:

1ـ من هم المقصودون من العلماء؟ هل هم علماء الامة؟ أو الائمة (ع) ؟ إذ قد احتمل البعض أن المقصود هم الائمة (ع) ونفس الحديث يدل على انه ليس المراد منهم الائمة (ع). اذ أن نمط المناقب الواردة للائمة (ع) يختلف، فهذه العبارات من قبيل ان الانبياء انما أورثوا احاديث من أحاديثهم، فمن أخذ منه أخذ وافر لا تصح لتعريف الائمة (ع). فهذه الجمل شاهدة على أن المراد علماء الامة. وكذلك ورد في رواية ابي البختري بعد جملة العلماء ورثة الانبياء قوله: فانظروا علمكم هذا عمَّن تأخذونه. حيث يظهر منها أنه (ع) يريد أن يقول: العلماء ورثة الانبياء، فالقول بأن المراد هو أن الأئمة ورثة الانبياء، وأن الناس يجب أن يأخذوا علمهم عن الائمة خلاف للظاهر. وكل من لاحظ الروايات الواردة حول الائمة (ع) وعرف موقعهم عند رسول الله (ص) يلتفت إلى أنه ليس المراد من هذه الرواية الائمة (ع) وإنما المراد علماء الامة، كما أنه قد ورد الكثير من الروايات في أمثال هذه المناقب للعلماء مثل: علماء أمتي كسائر أنبياء قَبلي. وعلماء أمتي كأنبياء بني اسرائيل. وعلى اية حال فكون المراد هو علماء الامة أمر ظاهر.

2ـ يمكن ان يقال اننا لا نستطيع استفادة ولاية الفقيه من جملة العلماء ورثة الانبياء بمفردها. إذ أن الأنبياء فيهم جهة نبوة، وهي أنهم يتلقّون العلم من مبدأ أعلى بواسطة وحي أو الهام أو نحو آخر. لكن هذه الحيثية لا تقتضي الولاية على الناس والمؤمنين. وما لم يجعل الله تعالى لهم الإمامة والولاية فهم لا يمتلكونها، وإنما يكونون أنبياء فحسب. وإذا أمروا بالتبليغ، فعليهم ايصال ما لديهم للناس. وفي أحاديثنا قد فُرِّق بين النبي والرسول، بأن الرسول مأمور بالتبليغ، بينما النبي يتلقى فحسب.

وبما أن حيثية النبوة وحيثية الولاية تختلفان عن بعضهما، وفي عبارة العلماء ورثة الانبياء كان المراد الوصف العنواني للانبياء، وقد نُزِّل العلماء بلحاظ هذا الوصف العنواني منزلة الانبياء، وهذا الوصف لا يقتضي الولاية. فبناءاً عليه نحن لا نستطيع أن نستفيد ثبوت الولاية للعلماء من هذه الجمل. نعم لو كان قد قال (ع) أن العلماء بمنزلة موسى أو عيسى (ع) لفهمنا من ذلك أنه كما أن موسى (ع) كان يمتلك جميع الحيثيات التي منها الولاية، فالعلماء كذلك يمتلكون حيثية الولاية. لكن بما أنه (ع) لم يقل ذلك، ولم ينزِّل العلماء منزلة الشخص، فلا يمكننا ان نستفيد من هذه الجملة معنى كهذا.

جوابا على هذا الاشكال ينبغي أن نقول أن الميزان في فهم الروايات وظواهر الالفاظ هو العرف العام والفهم المتعارف للناس، لا ما تؤدي اليه التجزئة والتحليل العلمي. ونحن أيضاً نتبع فهم العرف. فلو أراد الفقيه أن يدخل التدقيق العلمي في فهم الروايات لتوقف في كثير من المسائل. بناءاً عليه لو عرضنا عبارة العلماء ورثة الانبياء على العرف، فهل يرد في أذهانهم أن المراد هو الوصف العنواني للأنبياء، وأن التنزيل إنما هو بلحاظ هذا الوصف العنواني فقط؟ أم أن هذه الجملة تجعل أمارة على الاشخاص ؟ بحيث لو سئل العرف هل: أن الفقيه الفلاني بمنزلة موسى وعيسى (ع) لأجاب: وفقا لهذه الرواية نعم. لأن موسى وعيسى (ع) من الانبياء. أو لو سئل: هل الفقيه وارث لرسول الله (ص) ام لا؟ لأجاب بالإيجاب. لأن رسول الله (ص) من الانبياء.

بناءاً عليه لا نستطيع ان نأخذ الانبياء وصفا عنوانيا، خصوصا وأنها بصيغة الجمع. فلو جيء بها بلفظ المفرد لكان هناك احتمال. لكن عندما قال (ع) : الانبياء بصيغة الجمع، فهذا يعني كل فرد من الانبياء. وليس كل فرد من الانبياء بما هم أنبياء، ليكون الملحوظ الوصف العنواني ويفصل هذا الوصف العنواني عن باقي الأوصاف، ويقال: ان الفقيه بمنزلة النبي، لا بمنزلة الرسول، ولا بمنزلة الولي. فهذه التجزئة وهذا التحليل في باب الروايات هو خلاف لفهم العرف والعقلاء.

3ـ لنفرض أننا قبلنا أن التنزيل تم بلحاظ الوصف العنواني، وأن العلماء هم بمنزلة الانبياء ـ بما هم أنبياء ـ عندئذٍ يجب أن يثبت للعلماء بحسب هذا التنزيل الحكم الذي أثبته الله للانبياء.

فلو قلنا مثلا: ان الشخص الفلاني عادل، ثم قلنا: ان اكرام العادل واجب. يُفهم من هذا الحكم والتنزيل وجوب إكرام ذلك الشخص. بناءاً على هذا يمكننا أن نستفيد من الآية الشريفة {النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم} ثبوت منصب الولاية للعلماء أيضاً. ببيان أن المراد من الأولوية: الولاية والإمارة. كما ينقل كتاب مجمع البحرين رواية عن الامام الباقر (ع) حول هذه الآية الشريفة يقول فيها: ان هذا الآية قد نزلت في الامارة أي الحكومة والولاية. وبناءاً عليه فالنبي له ولاية وإمارة على المؤمنين، ونفس هذه الولاية والامارة ثابتة للعلماء أيضاً. لأنها وردت في الآية بلحاظ الوصف العنواني، كما تم التنزيل في الرواية على الوصف العنواني أيضاً.

وبالإضافة إلى ذلك، فإننا نستطيع الاستدلال بالآيات التي أثبتت للرسول (ص) بعض الأحكام، كقوله تعالى في الآية الشريفة: {أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم}. وذلك بأن نقول: أنه لا فرق بين النبي والرسول بنظر العرف ـ وان كانت بعض الروايات قد فرقت بين الرسول والنبي في كيفية نزول الوحي ـ لكن النبي والرسول في نظر العرف والعقلاء بمعنى واحد. فالنبي في نظر العرف هو الشخص الذي ينبئ من قبل الله. والرسول هو الشخص الذي يوصل ما أمره الله به إلى الناس.

4ـ يمكن القول بأن الأحكام التي تركها الرسول (ص) بعد وفاته هي نوع من الميراث ـ وان كانت لا تسمى ميراثا بحسب الاصطلاح ـ والذين يأخذون هذه الأحكام هم ورثة النبي، لكن من أين يُعلَمُ أن منصب الولاية على جميع الناس الذي يمتلكه الرسول الأكرم (ص) قابل لأن يورَّث ويكون ميراثاً؟ فلعل القابل للوراثة هي هذه الأحكام والأحاديث فحسب. وفي نفس هذه الرواية أيضاً قد ذكر أن الأنبياء يورِّثون العلم، وكذلك قال (ع) في رواية ابن البختري: انما أورثوا احاديث من احاديثهم. مما يدل على انهم انما ورثوا احاديثهم، والولاية ليست قابلة للارث والميراث.

وهذا الأشكال أيضاً غير صحيح. وذلك لأن الولاية والامارة من الأمور الاعتبارية والعقلائية، وفي هذه الأمور يجب أن نرجع إلى العقلاء لنرى هل يعتبرون انتقال الولاية والحكومة من شخص إلى شخص آخر وراثة ام لا؟ فلو سئل عقلاء الدنيا مثلا عمن قد ورث السلطة الفلانية، فهل يجيبون بأن هذا المنصب لا يقبل الوراثة؟ أم يقولون أن فلان مثلا هو وريث العرش والتاج؟ وأساساً فإن هذه الجملة وريث التاج والعرش من العبارات المعروفة. فلاشك في أن الولاية في نظر العقلاء قابلة للانتقال، كمثل الأرث من الأموال التي تنتقل من شخص إلى آخر.

ومن يلاحظ الآية الشريفة {النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم} والرواية التي تقول العلماء ورثة الانبياء يلتفت إلى أن المراد هي نفس هذه الأمور الاعتبارية التي يرى قابلية انتقالها عقلا.

لو كانت هذه العبارة العلماء ورثة الانبياء واردة في حق الائمة (ع) كما ورد في الرواية انهم (ع) ورثة النبي (ص) في كل شيء، لكنا ترددنا في القول: أن الأئمة (ع) ورثة النبي (ص) في كل شيء. ولما قال أحد أن الوراثة هي في العلم والمسائل الشرعية فحسب.

بناءاً على هذا، لو كنّا نحن وجملة العلماء ورثة الانبياء فقط، وصرفنا النظر عن صدر الرواية وذيلها، فالظاهر أن جميع شؤون النبي (ص) القابلة للانتقال بعد وفاته ـ ومنها الامارة على الناس الثابتة للائمة (ع) من بعده ـ ثابتة للفقهاء أيضاً. ماعدا الشؤون التي تخرج بدليل آخر. ونحن نخرجها بمقدار ما يدل الدليل.

الجزء الاساسي الباقي من الاشكال المذكور هو: أن جملة «العلماء ورثة الانبياء» وقعت ضمن فقرات يمكن أن تكون قرينة على أن المراد من الميراث الاحاديث. إذ في صحيحة القداح: ان الانبياء لم يورِّثوا درهما ولا دينارا ولكن ورَّثوا العلم، وفي رواية ابي البختري يقول بعد جملة لم يورثوا درهما ولا دينارا: وانما أورثوا أحاديث من أحاديثهم فهذه العبارة قرينة على ان ميراث الانبياء هي الاحاديث، وأنه لا يبقى منهم شيء آخر يكون قابلا للارث. وخصوصا أنه قد صدرت الجملة بإنما مما يدل على الحصر.

وهذا الاشكال غير تام. إذ لو كان المراد أن النبي الأكرم (ص) لم يترك شيئا يورث سوى أحاديثه، فهذا خلاف ضرورة مذهبنا. إذ أن الرسول (ص) قد ترك أشياء تورث. ولا ترديد في أن الرسول (ص) كان له ولاية على الأمة، وأن أمر الولاية انتقل بعده إلى أمير المؤمنين (ع) ومن بعده للأئمة (ع) الواحد تلو الآخر. وكلمة إنما هنا حتما ليست للحصر، وفي الاساس ليس من المعلوم أن لها دلالة على الحصر.

هذا بالاضافة إلى عدم وجودها في صحيحة القداح، وهي وردت في رواية ابي البختري التي قلنا أنها ضعيفة السند.

فلنقرأ عبارة الصحيحة لنرى هل يمكن أن تكون فقراتها قرينة على أن ميراث الانبياء مختص بالاحاديث أم لا.

من سلك طريقا يطلب فيه علما، سلك الله به طريقا إلى الجنة هذه الجملة مدح للعلماء. ولا يتوهم أحد أن هذا الثناء يشمل كل عالم مهما كان وضعه. ارجعوا إلى الروايات الموجودة في الكافي حول أوصاف العلماء ووظائفهم ليتضح لكم أن الإنسان لا يصير عالما ووريثا للانبياء بمجرد تحصيله لشيء من العلم، وانما له وظائف، مما يجعل المسألة أكثر تعقيدا.

وان الملائكة لتضع اجنحتها لطالب العلم رضا به، معنى وضع الاجنحة معلوم عند أهله وليس محلا للبحث الآن. فهذا العمل من باب الاحترام وخفض الجناح والتواضع.

وانه ليستغفر لطالب العلم من في السماء ومن في الارض، حتى الحوت في البحر.

وهذه الجملة تحتاج لشرح مفصل وهو خارج عن محل بحثنا الآن.

وفضل العالم على العابد كفضل القمر على ساير النجوم ليلة البدر ومعنى هذه الجملة أيضاً واضح.

وان العلماء ورثة الانبياء من بداية الرواية إلى هنا كان المقام مقام الثناء على العلماء، وبيان فضائلهم وأوصافهم. واحدى فضائلهم هي كونهم ورثة الانبياء. وإنما تكون وراثة الانبياء فضيلة لهم عندما تكون لهم ـ كالانبياء ـ ولاية وحاكمية على الناس، وتكون طاعتهم واجبة.

وأما كون ذيل الرواية يتضمن: ان الانبياء لم يورِّثوا ديناراً ولا درهماً فلا يعني أن الأنبياء لا يورثون شيئاً غير العلم والحديث، وإنما هذه الجملة كناية عن أنهم ـ مع كونهم أولياء للأمور وحكاما على الناس ـ فهم رجال إلهيون وليسوا بماديين لكي يسعوا وراء جمع زخارف الدنيا. وإن أسلوب حكومة الأنبياء يختلف عن الحكومة الملكية والحكومات المتعارفة، التي تتحول بالنسبة إلى المتصدي لها مصدرا لجمع المال وتخزينه. لقد كان نمط حياة الرسول الأكرم (ص) في غاية البساطة. فلم يستفد من مقامه ومنصبه لصالح حياته المادية، لكي يخلِّف شيئا وراءه. وما يتركه حين يرحل هو: العلم الذي هو أشرف الاشياء، وخصوصا العلم الذي يكون من الله تعالى. وربما كان تخصيص العلم بالذكر في الرواية لهذا السبب. بناءاً على هذا لا يمكن القول: بما أن أوصاف العلماء قد ذكرت في هذه الرواية، وذكر فيها وراثة العلم وعدم توريث المال، فهي ظاهرة في أن العلماء إنما يورثون العلم والحديث بشكل منحصر.

في بعض الموارد ذُيِّل هذا الحديث بجملة ما تركناه صدقةً وهي ليست من الحديث، وقد أضيفت إليه لغاية سياسية. إذ أن هذا الحديث موجود في فقه العامة أيضاً غاية ما يمكن أن يقال هنا أنه مع احتمال كون هذه الفقرات قرينة، فنحن لا نستطيع التمسك باطلاق جملة العلماء ورثة الانبياء ونقول: كل ما كان للانبياء فهو للعلماء. لكن ليس صحيحا كون احتمال قرينية هذه الفقرات يوجب القول بظهور الرواية في أن العلماء إنما يرثون من الانبياء العلم فقط. ومن ثم تقع المعارضة بين هذه الرواية والروايات التي ذكرناها فيما سلف، والتي تدل على مطلبنا. وان هذه الرواية تهدم تلك المطالب. اذ لا يستفاد شيء كهذا من هذه الرواية.

إثبات ولاية الفقيه عن طريق النص

واذا قيل ـ فرضاً ـ أنه يستفاد من الرواية أن الرسول الأكرم (ص) لم يورث شيئا سوى العلم، وأن أمر الولاية والخلافة ليس إرثا، وأننا لا نستفيد من قول رسول الله (ص) : علي وارثي ان امير المؤمنين (ع) خليفته، فعند ذلك نضطر ـ لأجل اثبات خلافة أمير المؤمنين والائمة (ع) ـ إلى التشبث بالنص، والقول: أن الرسول (ص) نصب أمير المؤمنين (ع) للخلافة، ونقول بنفس الشيء بالنسبة لولاية الفقيه. إذ بناءاً على تلك الرواية التي ذكرناها سابقا؛ فإن الفقهاء منصوبون من قبل رسول الله (ص) للحكومة والخلافة. وبهذا الطريق يجمع بين هذه الرواية والروايات الدالة على النصب.

مؤيد من الفقه الرضوي

ينقل المولى النراقي (رحمه الله) في عوائد الايام رواية عن الفقه الرضوي بهذا المضمون: منزلة الفقيه في هذا الوقت كمنزلة الانبياء في بني اسرائيل ونحن بالطبع لا نستطيع القول بأن الفقه الرضوي صادر عن الامام الرضا (ع)، لكن يمكننا التمسك به كمؤيد.

يجب أن يعلم أنه ليس المراد بأنبياء بني اسرائيل الفقهاء الذين كانوا في زمان النبي موسى (ع) والذين ربما وصفوا بالانبياء لجهة من الجهات. فالفقهاء الدين كانوا زمن النبي موسى (ع) كانوا كلهم تابعين له، ويعملون في ظل حاكميته. ولعل النبي موسى عندما كان يرسلهم إلى التبليغ في بعض الامكنة كان يجعلهم أولياء للامر أيضاً. نعم فنحن لا نمتلك اطلاعا دقيقا عن وضعهم، لكن من المعلوم أن موسى (ع) كان من أنبياء بني اسرائيل أيضاً، وأن كل ما هو للرسول (ص) فقد كان للنبي موسى (ع) أيضاً ـ طبعا مع الاختلاف في الرتبة والمقام والمنزلة ـ وبناءاً عليه فنحن نفهم من عموم المنزلة في الرواية أن ما كان للنبي موسى (ع) من أمر الحكومة والولاية على الناس فهو للفقهاء أيضاً.

سائر المؤيدات

ونقل رواية عن جامع الاخبار أيضاً بأن رسول الله (ص) قال: افتخر يوم القيامة بعلماء أمتي. وعلماء أمتي كسائر الأنبياء قبلي وهذه الرواية أيضاً من مؤيدات مطلبنا. وينقل في المستدرك بهذا المضمون: العلماء حكام على الناس كما نقلت أيضاً بلفظ حكماء على الناس. لكن يبدو أنه غير صحيح. إذ قيل أنها موجودة في نفس الغرر بلفظ حكام على الناس. وهذه الروايات لو كان سندها معتبرا فدلالتها واضحة، وهي إحدى المؤيدات. وهناك روايات أخرى يمكن أن تذكر للتأييد.منها رواية تحف العقول بعنوان مجاري الأمور والأحكام على ايدي العلماء وهذه الرواية تتألف من قسمين: القسم الأول: الرواية المروية عن سيد الشهداء وعن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع) حول الامر بالمعروف والنهي عن المنكر، والقسم الثاني هو من كلام الامام الحسين (ع) حول ولاية الفقيه ووظائف ومسؤولياته الإسلامية. وقد ذكر (ع) هذا الكلام في منى حيث بيَّن من خلاله أسباب جهاده وثورته الداخلية ضد الحكم الأموي الجائر. ويتحصل من هذه الرواية أمران مهمان: الأول: ولاية الفقيه والثاني: أنه يجب على الفقهاء أن يفضحوا الحكام الجائرين، ويوقظوا الناس من خلال جهادهم وامرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر، حتى تقوم الجماهير الواعية من خلال نهضتها الشاملة باسقاط الحكومة الجائرة، واقامة الحكومة الإسلامية. والرواية هي التالية:

)اعتبروا ايها الناس بما وعظ الله به أولياءه من سوء ثنائه على الأحبار إذ يقول: {لولا ينهاهم الربانيون والأحبار عن قولهم الإِثم} وقال: {لُعن الذين كفروا من بني اسرائيل} إلى قوله: {لبئس ما كانوا يفعلون} وإنما عاب الله ذلك عليهم، لأنهم كانوا يرون من الظَّلمَةِ بين أظهرهم المنكر والفساد، فلا ينهونهم عن ذلك رغبة فيما كانوا ينالون منهم ورهبة مما يحذرون، والله يقول: {فلا تخشوا الناس واخشونِ} وقال: {والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر} فبدأ الله بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فريضة منه، لعلمه بأنها إذا أديت وأُقيمت استقامت الفرائض كلها، هينها وصعبها. وذلك أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر دعاء إلى الإسلام، مع رد المظالم، ومخالفة الظالم، وقسمة الفيء والغنائم، وأخذ الصدقات من مواضعها ووضعها في حقها.

ثم انتم ايتها العصابة، عصابة بالعلم مشهورة، وبالخير مذكورة، وبالنصيحة معروفة، وبالله في أنفس الناس مهابة، يهابكم الشريف، ويكرمكم الضعيف، ويؤثركم من لا فضل لكم عليه ولا يد لكم عنده، تشفعون في الحوائج اذا امتنعت من طلابها، وتمشون في الطريق بهيبة الملوك وكرامة الاكابر، اليس كل ذلك انما نلتموه بما يُرجى عندكم من القيام بحق الله، وإن كنتم عن اكثر حقه تقصرون، فاستخففتم بحق الامة: فأما حق الضعفاء فضيَّعتم، وامّا حقكم بزعمكم فطلبتم. فلا مالاً بذلتموه، ولا نفساً خاطرتم بها للذي خلقها، ولا عشيرة عاديتموها في ذات الله. انتم تتمنون على الله جنتهُ ومجأورة رسلِهِ واماناً من عذابه، لقد خشيت عليكم ايها المتمنون على الله أن تحل بكم نقمة من نقماته. لأنكم بلغتم من كرامة الله منزلة فُضِّلتم بها ومن يُعرَف بالله لا تكرِمون، وانتم بالله في عباده تكرمون. وقد ترون عهودَ الله منقوضة فلا تفزعون، وانتم لبعض ذمم آبائكم تفزعون، وذمة رسول الله (ص) محقورة، والعمي والبكمُ والزُمن في المدائن مهملة، ولا ترحمون، ولا في منزلتكم تعملون، ولا من عمل فيها تعينون، وبالإدهان والمصانعة عند الظلمة تأمنون. كل ذلك مما امركم الله به من النهي والتناهي، وانتم عنه غافلون. وانتم أعظم الناس مصيبة لما غلبتم عليه من منازل العلماء لو كنتم تسعون.

ذلك بأن مجاري الأمور والأحكام على أيدي العلماء بالله الأمناء على حلاله وحرامه. فأنتم المسلوبون تلك المنزلة. وما سلبتم ذلك، الا بتفرقكم عن الحق واختلافكم في السُّنة بعد البينة الواضحة. ولو صبرتم على الأذى، وتحملتم المؤونة في ذات الله، كانت أمور الله عليكم ترد، وعنكم تصدر، واليكم ترجع. ولكنكم مكَّنتم الظلمة من منزلتكم، واستسلمتم أمور الله في أيديهم، يعملون بالشبهات، ويسيرون في الشهوات. سلّطهم على ذلك فراركم

من الموت، واعجابكم بالحياة التي هي مفارقتكم. فأسلمتم الضعفاء في أيديهم؛ فمن بين مستعبد مقهور، وبين مستضعف على معيشته مغلوب. يتقلبون في الملك بآرائهم، ويستشعرون الخزي بأهوائهم، اقتداءً بالاشرار، وجرأة على الجبار. في كل بلد منهم على منبره خطيب يصقع، فالأرض له شاغرة، وأيديهم فيها مبسوطة، والناس لهم خول، لا يدفعون يد لامسٍ، فمن بين جبار عنيد، وذي سطوة على الضعفة شديد، مطاع لا يعرف المبدئ المعيد. فيا عجباً، ومالي لا أعجب، والارض من غاش غشوم، ومتصدق ظلوم، وعامل على المؤمنين بهم غير رحيم، فالله الحاكم فيما فيه تنازعنا، والقاضي بحكمه فيما شجر بيننا. اللهم انك تعلم انه لم يكن ما كان منا تنافساً في سلطان، ولا التماساً من فضول الحطام. ولكن لِنُري المعالم من دينك، ونظهر الاصلاح في بلادك، ويأمن المظلومون من عبادك، ويعمل بفرائضك وسننك وأحكامك فإن لم تنصرونا وتنصفونا قوِيَ الظلمة عليكم، وعملوا في اطفاء نور نبيكم. وحسبنا الله، وعليه توكلنا، واليه انبنا، واليه المصير.

 

يقول (ع) : اعتبروا ايها الناس بما وعظ الله به أولياءه من سوء ثنائه على الاحبار. هذا خطاب لجماعة خاصة، وللحاضرين في المجلس، ولأهل البلد، أو المدينة، أو أهل القطر والمملكة، أو لعامة أهل الدنيا في ذلك الوقت؟ بل إن هذا النداء يشمل كل من يسمعه في كل زمان. مثل الخطاب بـيا ايها الناس الموجود في القرآن. لقد وعظ الله تعالى أولياءه من خلال ذمه للاحبار ـ أي علماء اليهود ـ وانكاره لنهجهم. والمراد من الأولياء هم الذين يعيشون مع الله، ولهم مسؤوليات في المجتمع لا الائمة (ع).

اذ يقول: {لولا ينهاهم الربانيون والاحبار عن قولهم الاثم وأكلهم السحت لبئس ماكانوا يصنعون} فالله تعالى يذم الربانيين والاحبار لعدم نهيهم الظالمين عن قول الاثم والذي هو اعم من الكذب والتهمة وتحريف الحقائق وأمثال ذلك، وعن أكل السحت، أي المال الحرام. ومن البديهي أن هذا الذم والتقبيح لا يختص بعلماء اليهود، ولا بعلماء النصارى، بل يشمل علماء المجتمع الإسلامي أيضاً، وجميع علماء الدين بشكل عام. وبناءاً عليه، فعلماء الدين الإسلامي مشمولون للذم والتقبيح الإلهي أيضاً فيما لو ظلوا ساكتين أمام سياسة الظلمة ونهجهم. وهذا الامر لا يخص السلف والاجيال الماضية، بل تتسأوى فيه الاجيال الماضية مع اجيال المستقبل. ولقد ذكر امير المؤمنين (ع) هذا الموضوع استنادا إلى القرآن، لكي يعتبر علماء المجتمع الإسلامي أيضاً، ويستيقظوا، ولا يتخلفوا عن القيام بوظيفة الامر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا يسكتوا أمام أجهزة الحكام الظلمة والمنحرفين. فقد نبه (ع) باستشهاده بآية {لولا ينهاهم الربانيون...} إلى نقطتين:

1ـ ان تسأهل العلماء في وظائفهم ضرره أكثر من تقصير الآخرين في القيام بنفس تلك الوظائف المشتركة. إذ عندما يرتكب التاجر مخالفة ما، فإن ضررها يعود عليه، لكن إذا قصر العلماء في وظائفهم، فسكتوا مثلا أمام الظلمة، فإن الضرر يعود على الإسلام. وإذا عملوا بوظيفتهم، وتكلموا حيث يجب أن يتكلموا، فإن النفع سيعود على الإسلام أيضاً.

2ـ لقد ذكر قول الاثم واكل السحت مع انه يجب النهي عن جميع الأمور التي تخالف الشرع. وذلك من أجل بيان أن هذين المنكرين أخطر من جميع المنكرات، ويجب أن يعمل على إنكارهما ومحاربتهما بشكل أكثر جدية. إذ أنه أحيانا يكون لأقاويل الانظمة الظالمة ودعاياتهم ضرر على الإسلام والمسلمين اكثر من عملهم سياستهم، وغالبا ما يعرّضون كرامة (واعتبار) الإسلام والمسلمين للهتك. فالله تعالى يؤاخذهم على عدم التصدي لأقاويل الباطل، ودعايات السوء للظلمة، وعلى عدم تكذيبهم لمن يدعي انه خليفة الله، وآلة لمشيئته، وأن الأحكام الالهية هي تلك التي يطبقها هو، والعدالة الإسلامية هي ما يقوله وينفذه. (مع كونه لا يخضع للعدالة اصلا) فأقاويل كهذه قول إثم فلِمَ لَمْ ينهوا الظلمة ويمنعوهم عن هذه المنكرات عندما ينطقون بكلام غير مشروع، أو يرتكبون خيانة ما، أو يبتدعون البدع في الإسلام، ويوجهون له الضربات؟

لو قام شخص ما بتفسير الأحكام بنحو لا يرضي الله، أو بإحداث بدعة بذريعة أن العدل الإسلامي يقتضي ذلك، أو بتنفيذ أحكام مخالفة للإسلام، فيجب على العلماء أن يبدوا معارضتهم له. فإذا لم يفعلوا، فإنهم ملعونون من الله تعالى، وهذا واضح من خلال هذه الآية الشريفة. وفي الحديث كذلك انه: اذا ظهرت البدع، فللعالم أن يظهر علمه، وإلا فعليه لعنة الله فابداء المعارضة، وبيان الأحكام والتعاليم الالهية المخالفة للبدع والظلم والمعاصي مفيد في حد ذاته، لأنه يؤدي إلى اطلاع الناس على الفساد الاجتماعي، ومظالم الحكام الخونة والفسقة، أو الذين لا دين لهم. ومن ثم إلى القيام بمحاربتهم، والامتناع عن التعأون معهم، وعدم اطاعتهم. فإبداء المعارضة من قبل علماء الدين في موارد كهذه هو نهي عن المنكر من قبل القادة الدينيين للمجتمع، ويستتبع موجة من النهي عن المنكر، ونهضة معارضة وناهية عن المنكر، يشارك فيها جميع ابناء الشعب المتدينين والغيورين. وهذه النهضة إذا لم يرضخ لها الحكام الظلمة والمترفين، ولم يرجعوا إلى الصراط الإسلامي المستقيم في اتباع الأحكام الالهية، وأرادوا استعمال القوة المسلحة لاسكاتها، فانهم يكونون في الحقيقة قد قاموا ببغي واضح ومسلّم، وصاروا فئة باغية. ومن الواجب على المسلمين أن يقوموا بالجهاد ضد الفئة لكي تكون سياسة المجتمع، ونهج الحكام مطابقة للاصول والأحكام الإسلامية.

إذا لم تكونوا قادرين حاليا على منع بدع الحكام، وإزالة هذه المفاسد، فعلى الاقل لا تبقوا ساكتين. إنهم يحاربونكم، فضجوا واصرخوا واعترضوا، ولا تستسلموا للظلم. فالاستسلام للظلم أسوأ من الظلم. استنكروا واعترضوا واصرخوا، وانفوا اكاذيبهم، يجب عليكم أن تؤسسوا اجهزة اعلامية مقابل اجهزتهم، لتفضح وتنفي جميع اكاذيبهم. وتظهر للملأ انهم يكذبون، وأن العدالة الإسلامية ليست ما يدّعون. يجب أن تُعلَن هذه الأمور لينتبه الناس، ولا تجعل الاجيال القادمة سكوت هذه الجماعة حجة، وتحسب أن أعمال ومناهج الظلمة كانت مطابقة للشرع، وأن الدين الإسلامي المبين قد اقتضى أن يقوم بأكل السحت وسرقة اموال الشعب.

بما أن محور تفكير البعض لا يتجأوز محيط المسجد، إذ انهم لا يمتلكون سعة الافق فتراهم ـ عند الحديث عن اكل السحت ـ لا يخطر ببالهم سوى البقال القريب من المسجد الذي يطفف في البيع مثلاً والعياذ بالله. فلا يلتفتون إلى التطبيقات الواسعة والكبيرة لأكل السحت والنهب التي تتمثل ببعض الرأسماليين الكبار، أو من يختلسون بيت المال، وينهبون نفطنا، ويحولون بلادنا إلى سوق لبيع المنتوجات الاجنبية غير الضرورية، والغالية الثمن، لكونهم يمتلكون وكالات الشركات الاجنبية، ويملأون جيوبهم وجيوب المتمولين الاجانب من اموال الشعب عبر هذا السبيل. تنهب نفطنا عدة دول أجنبية بعد استخراجه والمقدار القليل الذي يعطونه للجهاز الحاكم المتعأون معهم، يعود إلى جيوبهم أيضاً من طرق اخرى. وأما الشيء البخس الذي يصل إلى خزينة الدولة فالله العالم على أي شيء يصرفونه. هذا اكل للسحت على مستوى واسع ودولي. انه منكر مخيف، وأخطر المنكرات. ادرسوا أوضاع المجتمع، واعمال الدولة والجهاز الحاكم بشكل دقيق لتروا أي أكل للسحت مرعب يجري عندنا، لو وقعت هزّة في ناحية من نواحي البلاد، فإنها تفتح طريقاً لجماعة الحكم المنتفعين لموارد السحت واكل الحرام، ليملأوا جيوبهم باسم المتضررين من الهزة الارضية. إن الملايين من أموال الشعب تعود إلى جيوب الحكام الظالمين أعداء الوطن من الاتفاقيات التي يعقدونها مع الدول والشركات الأجنبية، بينما ملايين أخرى أيضاً ينالها الاجانب وأتباعهم. هذه حالات بارزة من اكل السحت تحصل أمام أعيننا، ولا تزال مستمرة أيضاً، سواء في التجارة الخارجية، أو اتفاقيات استخراج المعادن، أو استثمار الغابات، وسائر المصادر الطبيعية، أو أعمال العمران وتعبيد الطرقات، أو شراء الاسلحة من المستعمرين الغربي والشرقي. يجب علينا أن نتصدى لمنع هذا النهب وأكل السحت. جميع أبناء الشعب مكلفون بذلك، لكن علماء الدين وظيفتهم أثقل وأهم. فنحن يجب أن نقدم قبل جميع المسلمين على هذا الجهاد المقدس، وهذه الوظيفة الخطيرة. فإننا بلحاظ موقعنا ودورنا يجب أن نكون في الأمام. وان لم نكن اليوم نمتلك القدرة على منع هذه الاعمال، ومجازاة اللصوص وخونة الشعب من اصحاب السلطة والحكم، فيجب أن نسعى لتحصيل هذه القدرة. وفي نفس الوقت ـ وكحد أدنى للقيام بالوظيفة ـ لا نقتصر في إظهار الحقائق، وفضح عمليات النهب والأكاذيب. وعندما نحصل على القدرة لن نقوم بترتيب سياسة البلاد واقتصادها فقط، بل سوف نجلد ونجازي الكذابين وآكلي السحت.

لقد أحرقوا المسجد الاقصى، ونحن نصرخ: دعوا المسجد الاقصى على حاله نصف المحترق هذا ولا تزيلوا آثار الجرم بينما نظام الشاه يفتتح الحسابات ويجمع المال من الناس باسم بناء المسجد الاقصى، ليتمكن من جني الفوائد، وملأ جيوبه عبر هذا السبيل، ومن خلال ذلك يزيل آثار جرم اسرائيل.

 

ان هذه المصائب قد أخذت بتلابيب الأمة الإسلامية، وأوصلت الأمور إلى هذا الحد. ألا يجب على علماء الإسلام أن يتكلموا حول هذه الأمور؟ {لولا ينهاهم الربانيون والاحبار عن أكلهم السحت} فَلِمَ لا يصرخون؟ لِمَ لا يتكلم أحد عن عمليات النهب هذه؟

ثم استند (ع) إلى آية {لُعن الذين كفروا من بني اسرائيل} مما لا مجال له في بحثنا.

ثم يقول:

وانما عاب الله ذلك عليهم لأنهم كانوا يرون من الظلمة الذين بين أظهرهم المنكر والفساد، فلا ينهونهم عن ذلك، رغبة فيما كانوا ينالون منهم، ورهبة مما يحذرون.

فسكوتهم حسب هذه الرواية كان لسببين: 1 ـ المنفعة 2ـ الضعف. فإما أنهم كانوا من أهل الطمع، ويستفيدون من الظلمة مادياً، وكما قال يأخذون منهم ثمن السكوت أو أنهم كانوا جبناء من أهل الخوف، فكانوا يخافونهم. ارجعوا إلى روايات الامر بالمعروف والنهي عن المنكر، حيث فيها ذم لأولئك الذين يختلقون الاعذار دوماً لأجل التهرب من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والرواية تلك تعدُّ سكوتهم عيباً.

والله يقول: {ولا تخشوا الناس واخشون} فمِمَ تخافون؟ سوى أن يسجنوكم أو ينفوكم أو يقتلوكم. فأولياؤنا قد أعطوا أرواحهم للإسلام، وعليكم أنتم أيضاً أن تستعدوا لمثل ذلك.

وقال: {والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ...}.

ويقول في ذيل الآية: {ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله...}.

فبدأ الله بالامر بالمعروف والنهي عن المنكر فريضة منه، لعلمه بأنها إذا أُديت وأقيمت استقامت الفرائض كلها هينها وصعبها، وذلك أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر دعاء إلى الإسلام، مع ردَّ المظالم، ومخالفة الظالم، وقسمة الفيء والغنائم، وأخذ الصدقات من مواضعها، ووضعها في حقها.

إن الاسباب الأساسية لوجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هي هذه الأمور. بينما نحن قد جعلنا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ضمن دائرة صغيرة وحصرنا ذلك في الموارد التي يترتب فيها الضرر على الفاعل للمنكر، أو التارك للمعروف، وقد غرس في أذهاننا أن المنكرات هي تلك الأمور التي نراها ونسمع بها بشكل يومي في حياتنا الاعتيادية فحسب، كسماع الموسيقى في الباصات، أو ارتكاب بعض المخالفات في المقاهي، أو تجاهر بعض الناس بالافطار، وأن هذه الأمور هي التي يجب أن ننهي عنها فقط، ولا نلتفت إلى تلك المنكرات الكبيرة، إلى أولئك الذين يقومون بضرب الإسلام معنوياً، وسحق حقوق الضعفاء وما شابه من الموارد التي يجب أن ينهى فيها عن المنكر. لو صير إلى الاعتراض بشكل جماعي على الظلمة، وعلى المخالفات التي يقومون بها، أو الجرائم التي يرتكبونها، ولو أرسلت اليهم آلاف برقيات الاستنكار من جميع البلاد الإسلامية، فمن المتيقن أنهم سوف يتخلون عما يقومون به.

لو استنكر عليهم من جميع انحاء البلاد، ومن القرى والقصبات عندما يقومون بعمل مخالف لمصلحة الإسلام والمسلمين، أو عندما يتكلمون بشيء كذلك، فإنهم سوف يتراجعون بسرعة. أتتصورون أنهم يستيطعون ألاَّ يتراجعوا؟ إنهم لن يقدروا على ذلك أبداً. إني أعرفهم، وأعرف طريقتهم، فهم في منتهى الجبن، وسرعان ما يتراجعون. لكنهم عندما يرون بأننا أكثر تراخياً يصولون ويجولون.

في تلك القضية التي اتحد فيها العلماء واجتمعوا، وحصلوا على التأييد من مختلف المناطق، وتحركت الوفود، واشتعلت المنابر، تراجع الجهاز الحاكم، وألغى تلك اللائحة بعد ذلك سعوا إلى إضعافنا وإسكاتنا بالتدريج، وفرقونا عن بعضنا، وأوجدوا لكل منا تكليفاً شرعياً، إلى أن حدثت في النتيجة هذه الاختلافات في الاقوال والمواقف، وصاروا الآن يتصرفون بالمسلمين والبلاد كما يشاؤون.

(والنهي عن المنكر) دعاء إلى الإسلام مع رد المظالم ومخالفة الظالم فالامر بالمعروف والنهي عن المنكر لأجل هذه الغايات المهمة. هذا العطَّار المسكين إذا قام بمخالفة ما، فإنه لا يلحق الضرر بالإسلام، وإنما يضر نفسه. وأولئك الذين يلحقون الضرر بالإسلام هم الذين يجب أن يصار إلى أمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر اكثر. وأولئك الذين يغتالون وجود الشعب بعنأوين مختلفة، هم الذين يجب أن ينهوا.

وأحياناً تنشر الجرائد بعض هذه الأمور ـ نعم تارة على سبيل المزاح وأخرى على نحو الجد ـ من أن الكثير من الاشياء التي يجمعونها لأجل المتضررين بالسيول أو الزلازل يأكلونها أنفسهم. ينقل أحد علماء ملاير أنه وجماعة معه جلبوا شاحنة لضحايا بعض الحوادث، لكن الشرطة لم يسمحوا لهم بايصالها، وأرادوا أن يسرقوها. فالامر بالمعروف والنهي عن المنكر لهؤلاء أكثر لزوماً.

إني أستوضحكم الآن: هل الأمور التي ذكرها الامام (ع) في هذا الحديث كانت خاصة بأصحابه المحيطين به، والذين يستمعون إلى كلامه؟ أليس خطاب اعتبروا أيها الناس موجَّهاً لنا؟ ألسنا مصداق الناس وجزءً منهم؟ ألا يجب أن نأخذ العبرة من هذا الخطاب؟ وكما ذكرت في أول البحث، فإن هذه المطالب ليست مختصة بجماعة معينة، وانما هي إعلان من الإمام (ع) إلى كل أمير ووزير وحاكم وفقيه، وإلى كل الدنيا، وجميع البشر. فوصاياه (ع) قرينة للقرآن ومثله، إذ وجوب اتباعها مستمرة إلى يوم القيامة. والآية التي استدل بها أيضاً {لولا ينهاهم الربانيون} وإن كانت خطاباً للربانيين والأحبار، لكن الخطاب موجَّه للجميع. ولقد ذمَّ الله تعالى الربانيين والأحبار، واستنكر عليهم لسكوتهم امام ظلم الظلمة خوفاً أو طمعاً، مع كونهم قادرين على القيام بما يمنع الظلم من خلال المعارضة ورفع الصوت والكلام، فعلماء الإسلام أيضاً إذا سكتوا، ولم يقوموا بوجه الظالمين؛ فإنهم سوف يقعون محلاً لاستنكار الله عز وجل.

ثم أيتها العصابة... بعد مخاطبة الناس، وجه الخطاب إلى فئة علماء الإسلام فقال: عصابة بالعلم مشهورة، وبالخير مذكورة، وبالنصيحة معروفة، وبالله في أنفس الناس مهابة، يهابكم الشريف، ويكرمكم الضعيف، ويؤثركم من لا فضل لكم عليه، ولا يد لكم عنده. تشفعون في الحوائج إذا امتنعت من طلاَّبها، وتمشون في الطريق بهيبة الملوك وكرامة الاكابر. أليس كل ذلك إنما نلتموه بما يرجى عندكم من القيام بحق الله.

وإن كنتم عن أكثر حقه تقصَّرون، فاستخففتم بحق الامة. فأما حقُّ الضعفاء فضيعتم، وأما حقكم بزعمكم فطلبتم، فلا مالاً بذلتموه، ولا نفساً خاطرتم بها للذي خلقها، ولا عشيرة عاديتموها في ذات الله. أنتم تتمنون على الله جنتهُ، ومجأورة رسلِهِ، واماناً من عذابه، لقد خشيت عليكم ايها المتمنون على الله أن تحل بكم نقمة من نقماته، لأنكم بلغتم من كرامة الله منزلة فُضِّلتم بها، ومن يُعرَف بالله لا تكرِمون وانتم بالله في عباده تُكْرَمون. وقد ترون عهودَ الله منقوصة فلا تفزعون، وانتم لبعض ذمم آبائكم تفزعون، وذمة رسول الله (ص) محقورة (مخفورة) والعميُ والبكمُ والزُّمنُ في المدائن مهملة لا ترحمون. فلا أحد يفكر بهؤلاء الضعفاء ولا أحد يفكر بحفاة الشعب ومساكينه.

هل تظنون أن هذا الضجيج الذي يبثُّونه من الاذاعة صحيحاً؟ اذهبوا بأنفسكم لتروا عن قرب الحالة التي يعيشها الشعب. لا يوجد لكل مئة أو مئتي قرية مستوصف واحد. ليس هناك أي تفكير بالمساكين والجياع. ولا يسمحون للإسلام أيضاً أن يطبق ما لديه من أفكار لحل مشكلة الفقراء. ولقد حل الإسلام مشكلة الفقر وجعلها في رأس برامجة {انما الصدقات للفقراء}.

كان الإسلام ملتفتاً إلى لزوم إصلاح وضع الفقراء والمساكين أولاً. ولكنهم لا يسمحون بالتطبيق.

الشعب المسكين في حالة من الفقر والجوع، بينما الجهاز الحاكم في إيران يقوم بتبذير كل تلك الضرائب التي يأخذها من الشعب في مصارفه اللامسؤولة. يشتري طائرات الفانتوم لكي يتدرب العسكريون الصهاينة وأتباعهم في بلادنا. اسرائيل التي هي الآن في حالة حرب مع المسلمين ـ ومن يؤيدها يكون في حالة حرب مع المسلمين أيضاً ـ فتحت لها أبواب بلادنا على المصراعين، وبنحو صار يأتي فيه العسكريون الاسرائيليون للتدرب في بلادنا وذلك بموافقة الجهاز الحاكم ودعمه! صارت بلادنا معسكراً لهم! وسوقنا أيضاً بأيديهم، واذا ظل الوضع بهذا النحو، واستمر المسلمون بهذا التراخي، فإنهم سوف يقضون على سوق المسلمين.

ولا في منزلتكم تعملون، ولا من عمل فيها (تعينون) فانتم لم تستفيدوا من مقامكم (مراكزكم) ولم تقوموا بأي عمل. كما أنكم لا تساعدون من يقوم بوظيفته.

وبالإدهان والمصانعة عند الظلمة تأمنون. كل ذلك مما أمركم الله به من النهي والتناهي وأنتم عنه غافلون فكل همكم ومطمعكم أن يدعمكم الظالم ويحترمكم، ولا شغل لكم بما يجري على الشعب، وبما ترتكبه الدولة من أعمال.

وأنتم أعظم الناس مصيبة لما غلبتم عليه من منازل العلماء لو كنتم تسعون، ذلك بأن مجاري الأمور والأحكام على ايدي العلماء بالله، الأمناء على حرامه وحلاله، فأنتم المسلوبون تلك المنزلة.

يستطيع الامام (ع) أن يقول: انهم سلبوا حقنا، ولم تتحركوا، أو أنهم سلبوا حق الائمة (ع) وبقيتم ساكتين. لكنه قال: العلماء بالله الذين هم الربانيون والقادة، وليس المراد أهل الفلسفة والعرفان. فالعالم بالله هو العالم بأحكامه، والذي يعرف أحكام الله يطلق عليه روحاني أو رباني وهذا بالطبع عندما تكون الروحانية والتوجيه إلى الله غالبة عليه.

فأنتم المسلوبون تلك المنزلة. وما سلبتم ذلك إلا بتفرُّقكم عن الحق، واختلافكم في السنة بعد البيَّنة الواضحة. ولو صبرتم على الأذى، وتحملتم المؤونة في ذات الله، كانت أمور الله عليكم ترد، وعنكم تصدر، واليكم ترجع.

فلو استقمتم وقمتم بالأمر، لرأيتم أن ورود الأمر وصدورها بأيديكم. فلو قامت تلك الحكومة التي يريدها الإسلام، لما تمكنت دول الدنيا من الوقوف بوجهها، ولخضعت لها.

لكن وللأسف لم تقم تلك الحكومة بسبب التقصير. كما لم يسمح المخالفون في صدر الإسلام بتأسيسها، وبأن يتسلمها من كان مرضيِّا لله ورسوله، حتى وصلت الأمور إلى ما هي عليه الآن.

ولكنكم مكَّنتم الظلمة من منزلتكم فعندما تخليتم عن القيام بوظيفتكم وتركتم أمر الحكومة، أفسح في المجال أمام الظلمة ليستولوا على ذلك الموقع.

واستسلمتم أمور الله في ايديهم، يعملون بالشبهات، ويسيرون في الشهوات سلَّطهم على ذلك فراركم من الموت، وإعجابكم بالحياة التي هي مفارقتكم، فأسلمتم الضعفاء في أيديهم، فمن بين مستعبد مقهور، وبين مستضعف على معيشته مغلوب كل هذه الأمور تنطبق على زماننا هذا. وهي تنطبق على عصرنا اكثر مما تنطبق على زمان صدور هذا الكلام من الامام (ع).

يتقلبون في الملك بآرائهم، ويستشعرون الخزي بأهوائهم، اقتداءً بالاشرار، وجرأة علي الجبار. في كل بلد منهم على منبره خطيب يصقع.

لقد كان الخطباء يمتدحون الظلمة في ذلك الزمان، واليوم فإن الإذاعات تزعق كل يوم بمخالفة الإسلام، وبالدعوة لهم، وباظهار أحكام الإسلام بخلاف ما هي عليه.

فالارض لهم شاغرة فالبلاد في هذه الايام مهيأة للظلمة دون مانع أو رادع ينهض ضدهم وايديهم فيها مبسوطة، والناس لهم خول لا يدفعون يد لامس. فمن بين جبار عنيد، وذي سطوة على الضعفة شديد، مطاع لا يعرف المُبديء والمُعيد. فيا عجباً، وما لي لا أعجب، والأرض من غاش غشوم، ومتصدق ظلوم، وعامل على المؤمنين لهم غير رحيم. فالله الحاكم فيما فيه تنازعنا، والقاضي بحكمه فيما شجر بيننا.

اللهم إنك تعلم انه لم يكن ما كان منا تنافساً في سلطان، ولا التماساً من فضول الحطام، ولكن لِنُريَ المعالم من دينك، ونظهر الاصلاح في بلادك، ويأمن المظلومون من عبادك، ويعمل بفرائضك وسننك وأحكامك.

فإن لم تنصرونا وتنصفونا قَوِي الظلمة عليكم، وعملوا في إطفاء نور نبيِّكُمْ. وحسبنا الله، وعليه توكلنا، وإليه أنبنا، واليه المصير.

وكما تلاحظون فان الرواية من أولها إلى أخرها تخاطب العلماء، وليس هناك أية خصوصية تستدعي أن يكون المراد بالعلماء الائمة (ع). فعلماء الإسلام علماء بالله وربانيون، وانما يطلق الرباني على الانسان المعتقد بالله، المحافظ علي أحكامه، والعالم بها، والأمين على حلاله وحرامه.

عندما يقول (ع) : مجاري الأمور والأحكام بأيدي العلماء، فذلك ليس لمدة سنتين أو عشر سنوات مثلاً، وليس ناظراً إلى أهل المدينة فقط. فمن نفس الرواية والخطبة يعلم أن الامام (ع) يتكلم من خلال نظرة واسعة تلاحظ أمة كبيرة يجب أن تقوم بالحق.

إن العلماء الامناء على حلال الله وحرامه، والحائزين لخصلتي العلم والعدالة اللتين ذكرناهما فيما مضى، لو طبقوا الأحكام الالهية، وأقاموا الحدود، وكان مجرى أحكام الإسلام وأموره على أيديهم، لما بقي الشعب جائعاً وعاجزاً، ولما تعطلت أحكام الإسلام.

هذه الرواية الشريفة من مؤيدات بحثنا. ولو لم تكن ضعيفة السند لأمكن القول أنها من الادلة. هذا ما لم نقل أن مضمونها شاهد على كونها صادرة من لسان المعصوم (ع)، وأن مضمونها صادق.

لقد انتهينا من البحث في موضوع ولاية الفقيه ولن نتكلم بعد في هذا المجال، ولا حاجة أيضاً للبحث في فروع المطلب، كالبحث عن كيفية الزكاة وإجراء الحدود مثلاً. لقد بحثنا في أسس الموضوع، أي ولاية الفقيه (الحكومة الإسلامية) وبيَّنا أن الولاية التي كانت للنبي الأكرم (ص) والأئمة (ع) هي ثابتة للفقيه، ولاشك في هذا المطلب أيضاً، إلا أن يقوم دليل على الخلاف في بعض الموارد، وبالطبع فاننا سنخرج ذلك المورد عندها أيضاً.

وكما ذكرت فيما سلف أيضاً، فان موضوع ولاية الفقيه ليس موضوعاً جديداً جئنا به نحن، بل إن هذه المسألة وقعت محلاً للبحث منذ البداية. فحكم المرحوم الشيرازي في حرمة التنباك كان واجباً اتباعه، حتى من الفقهاء الآخرين أيضاً. وقد اتبع ذلك الحكم جميع علماء ايران الكبار ماعدا بضعة اشخاص وهو لم يكن حكماً قضائياً في خلاف بين بعض الاشخاص، بل كان حكماً ولائياً (حكومياً) اصدره (رحمه الله) بالعنوان الثانوي مراعاة لمصالح المسلمين. وكان الحكم مستمراً مادام العنوان موجوداً. وبزوال العنوان ارتفع الحكم. المرحوم الميرزا محمد تقي الشيرازي الذي حكم بالجهاد ـ وكان ذلك بصفة دفاع بالطبع ـ فقد اتبعه بقية العلماء، لأنه كان حكماً ولائياً (حكومياً).

حسبما ينقل فإن المرحوم كاشف الغطاء أيضاً قد تعرض للكثير من هذه الأمور. وقد ذكرت لكم أنه من المتأخرين المرحوم النراقي يرى ثبوت جميع شؤون رسول الله (ص) للفقهاء. والمرحوم النائيني أيضاً يقول أن هذا المطلب يستفاد من مقبولة عمر بن حنظلة. وعلي أية حال هذا البحث ليس جديداً وإنما قمنا نحن بالبحث حوله أكثر فحسب، ووضعنا تشعبات المطلب المذكور في متنأول السادة لتتضح المسألة أكثر. كما قمنا تبعاً لأمر الله تعالى في كتابه، وبلسان نبيه (ص) ببيان بعض الأمور المبتلى بها هذه الايام. وإلاَّ فإن المطلب هو نفس ما فهمه الكثيرون وذكروه.

لقد قمنا بطرح اصل الموضوع. وعلى هذا الجيل والاجيال القادمة أن تبحث وتفكر في ذيوله وتشعباته، وأن تجد السبيل إلى تحقيقه. ليطردوا عن أنفسهم التراخي والضعف واليأس. وسوف يتوصلون إن شاء الله إلى كيفية التشكيل، وسائر الفروع من خلال التشأور وتبادل وجهات النظر، ويضعون مسؤوليات الحكومة الإسلامية بيد خبراء أمناء عقلاء من أهل الإيمان والعقيدة، ويقطعون أيدي الخونة عن الحكومة والوطن وبيت مال المسلمين. ليتيقنوا أن الله القدير معهم.

برنامج النضال من أجل اقامة الحكومة الإسلامية

 نحن مكلفون بالعمل الجدي لأجل إقامة الحكومة الإسلامية، ويعتبر العمل الدعائي أول أنشطتنا في هذا الطريق، فيجب أن نتقدم من خلال العمل الاعلامي، ففي جميع أنحاء العالم كان الأمر كذلك على الدوام. إذ يلتقي عدة أشخاص ويفكرون في الأمر، ثم يقررون ويقومون بعد ذلك بالعمل الدعائي، فيزدادون شيئاً فشيئاً، إلى أن ينتهي الأمر بأن يصيروا قوة نافذة في حكومة كبيرة ـ أو يحاربونها ـ ومن ثم يسقطونها. لقد قضوا على محمد علي ميرزا وأقاموا حكومة المشروطة. ولم يكن منذ البداية ثمة جيش وقوة، وإنّما تقدَّموا من خلال العمل الدعائي. وأدانوا المتسلطين والمتفرعنين، وقاموا بتوعية الشعب، وأفهموا الناس أنّ هذا التفرعن أمر مرفوض. وأخذت دائرة العمل الدعائي (التوعية) بالاتساع شيئاً فشيئاً، حتى شملت جميع طبقات المجتمع، وتحول الشعب إلى قوة يقظة وفاعلة، ومن ثم حققوا النتيجة المطلوبة.

أنتم الآن لا تملكون حولاً ولا قوة، لكن يمكنكم القيام بالعمل الدعائي. والعدو لا يستطيع سلبكم جميع وسائل الدعاية. بالطبع يجب أن تقوموا بتعليم المسائل العبادية، لكن المهم هو المسائل السياسية للإسلام، المسائل الاقتصادية والحقوقية للإسلام. فإنها محور العمل، ويجب أن تكون كذلك. تكليفنا هو السعي لتأسيس دولة إسلامية حقيقية، ويجب علينا أن نقوم بالدعاية والارشاد وتوحيد التوجهات، وايجاد تيار دعائي وفكري من أجل تحقيق ظاهرة اجتماعية، لكي تنتظم الجماهير الواعية والعارفة لدورها والمتدينة شيئاً فشيئاً في نهضة إسلامية تثور وتقيم الحكومة الإسلامية.

الدعاية والتوجيه نشاطان أساسيان ومهمان بالنسبة لنا. فوظيفة الفقهاء هي نشر العقائد والأحكام والأنظمة الإسلامية وتعليمها للناس، من أجل تهيئة الأرضية لتطبيق الأحكام، وإقامة الإسلام في المجتمع. لقد رأيتم أنّه ورد في الرواية في وصف خلفاء النبي الأكرم (ص) أي الفقهاء قوله أنهم يعلمونها الناس أي يعلمون الناس الدين، خصوصاً في هذه الظروف حيث يسعى المستعمرون والحكام الظلمة والخونة واليهود والنصارى والماديّون لتحريف حقائق الإسلام وإضلال المسلمين. ففي هذه الظروف تزداد مسؤوليتنا في التبليغ والتوجيه أكثر من أي وقت. نحن نرى اليوم أن اليهود ـ خذلهم الله ـ قد تصرَّفوا في القرآن، وأحدثوا بعض التغييرات في نسخ القرآن التي طبعوها في الأراضي المحتلة. ونحن مكلفون بالتصدي لهذه التصرفات الخيانية. فيجب رفع الصوت وتنبيه الناس، لكي يتضح أنّ اليهود وحماتهم الأجانب أناس معادون للإسلام، ويريدون إقامة حكومة اليهود في الدنيا.

وبما أنّهم جماعة مؤذية وفاعلة أخشى ـ والعياذ بالله ـ أن يصلوا في يوم من الأيام إلى هدفهم، وأن يؤدي تقاعس بعضنا إلى أن يحكمنا حاكم يهودي ـ لا جعل الله ذلك اليوم ـ، ومن ناحية أخرى فإنّ عدداً من المستشرقين ـ الذين هم العملاء الثقافيون للمؤسسات الاستعمارية ـ ناشطون لتحريف حقائق الإسلام وقلبها. مبلغو (دعاة) الاستعمار يعملون بنشاط، ويقومون بإبعاد شبابنا عنا بدعاياتهم السيئة في كل زأوية من زوايا البلاد الإسلامية. إنهم لا يقومون بتنصيرهم أو تهويدهم، وإنّما هم يفسدونهم ويجعلونهم بلا دين ولا أباليين، وهذا يكفي بالنسبة للمستعمرين. لقد ظهرت في مدينتنا طهران مراكز دعاية السوء الكنسية والصهيونية والبهائية لكي يضلوا الناس ويبعدوهم عن الأحكام والتعاليم الإسلامية.

أفلا يكون هدم هذه المراكز المضرة بالإسلام من وظيفتنا؟ فهل يكفينا أن تكون النجف لنا فحسب؟ مع أنها ليست لنا أيضاً. هل علينا أن نجلس في قم ونكتفي بإقامة العزاء، أم يجب أن نكون على العكس من ذلك يقظين وفاعلين؟

أنتم جيل الشباب في الحوزات العلمية يجب أن تكونوا أحياء، وأن تقوموا بحفظ استمرارية أمر الله حيّاً.

أنتم جيل الشباب، تحركوا باتجاه النضج والتكامل الفكري، ودعوا التفكير الهامشي الذي التصق بكثير من العلوم لأنّ هذه النظرة الضيقة تعيق الكثير منا عن القيام بمسؤولياته المهمة. لبُّوا نداء الإسلام، وأنقذوا المسلمين من الأخطار المحدقة. إنّ الأعداء يقومون بتصفية الإسلام، ويقضون عليه باسم الأحكام الإسلامية، وباسم الرسول الأكرم (ص). لقد توجه الدعاة من مختلف الأنواع ـ سواء من أهل البلاد أو الأجانب، وسواء التابعين للاستعمار، أو دعاتهم الداخليين ـ إلى جميع القرى والمناطق الإيرانية، ويقومون بإضلال أبنائنا وشبابنا الذين يمكن أن يستفيد منهم الإسلام، فقوموا بانقاذهم. أنتم مكلفون بنشر ما تفقهتم به بين الناس، وتعليمهم الأمور التي تعلمتموها. وكل ذلك المدح والتمجيد للفقهاء الوارد في أحاديثنا إنّما هو بسبب كون الفقيه مبيِّناً لأحكام الإسلام وعقائده وأنظمته، ومعلِّماً لسنة رسول الله (ص) للناس. عليكم أن تجدّوا في الارشاد والتعليم لأجل نشر الإسلام، وشرح مفاهيمه.

نحن مكلفون بإزالة الإبهام الذي ألصقوه بالإسلام، وما لم نزل ذلك الإبهام فإننا لن نتمكّن من تحقيق أية نتيجة. علينا أن نقوم ـ نحن والأجيال الآتية ـ بإزالة الابهام الملصق بالإسلام، والمرتكز في أذهان الكثيرين، حتى من المثقفين، نتيجة مئات السنين من دعايات السوء، وأن نبيّن الرؤى الإسلامية للكون وأنظمته الاجتماعية والحكومة الإسلامية، لكي يعرف الناس ماهية الإسلام ونوعية قوانينه. فالحوزات العلمية اليوم في قم ومشهد والأماكن الأخرى مكلفة بالعمل على بيان واقع الإسلام، وشرح مبادئه. إنّ الناس لا يعرفون الإسلام. فعليكم أن تعرّفوا شعوب الدنيا على أنفسكم وعلى إسلامكم وأئمتكم وحكومتكم الإسلامية، وخصوصاً لطبقة المثقفين والجامعيين الواعين. واطمئنوا إلى أنّكم لو بيَّنتم هذا المذهب كما هو في الواقع، والحكومة الإسلامية على واقعها، فإنّ هؤلاء سوف يتقبلونهما. إذ أنّ الجامعيين معارضون للاستبداد وللحكومات العميلة للاستعمار، ومعارضون للتسلط، ونهب الأملاك العامة، والسرقة والكذب. ليس هناك جامعة أو جامعيون يخالفون الإسلام الذي يمتلك ذلك الطراز من الحكومة والتعاليم الاجتماعية.

إنّهم يمدُّون أيديهم إلى صورة حوزة النجف طالبين منها الحل. فهل نجلس بانتظار أن يأمرونا هم بالمعروف، ويدعوننا إلى تأدية التكليف؟ إنّ شبابنا في أوربا يأمروننا بالمعروف، ويقولون لنا إنّهم قد قاموا بتشكيل المراكز الإسلامية طالبين منا العون والمساعدة.

إنّنا مكلفون بالتذكير بهذه الأمور، وببيان نمط الحكومة الإسلامية، وطريقة أولياء الأمر في صدر الإسلام، وأن دار إمارتهم ودكة القضاء عندهم (وزارة العدل) كانت في زأوية من زوايا المسجد، بينما كانت دولتهم تشمل إيران ومصر والحجاز واليمن.

ومن المؤسف أنّه عندما انتقلت الحكومة إلى الطبقات الأخرى، تحولت إلى سلطنة، بل أسوأ. علينا أن نوضح الصورة عن تلك الحكومة التي نريدها، وعن شروط الحكام الذين يجب أن يحكمونا ويتولوا أمورنا، وعن تصرفاتهم وسياستهم التي يتبعونها. إنّ الحاكم في المجتمع الإسلامي هو ذاك الذي يقوم بما قام به الإمام علي (ع) مع أخيه عقيل لكي يمنعه من طلب أي تفضيل مادي على الآخرين، ومن طلب معونة إضافية من بيت المال. والذي يسترد العقد الذي تأخذه ابنته كعارية مضمونة من بيت المال، ويقول لها لو لم تكن عارية مضمونة لكنت أول هاشمية تقطع يدها في الإسلام فنحن نريد حاكماً كهذا. حاكماً يطبق القانون، لا لأهوائه وميوله، ويرى الجميع متسأوون أمام القانون، وذوي حقوق أساسية ووظائف متسأوية، فلا يفرق ولا يميز بين أحد وأحد، وينظر إلى أقاربه والآخرين نظرة واحدة. لو سرق ابنه، فإنّه يقطع يده، ولو تاجر أخوه أو أخته بالمخدرات لأعدمهم. لا أنه يعدم عدة اشخاص لأجل عشرة غرامات من الهيروئين، بينما غيرهم يمتلك المقادير الكبيرة، ويستورد الشحنات تلو الشحنات.

الاستفادة من الاجتماعات لأجل الارشاد والتوجيه

إنّ الكثير من الأحكام العبادية في الإسلام شرعت من أجل الخدمات الاجتماعية والسياسية. وأساساً فإنّ العبادات الإسلامية توأم مع السياسة وتدبير المجتمع. فمثلاً صلاة الجماعة، واجتماع الحج، والجمعة لها آثار سياسية بالإضافة إلى آثارها المعنوية والأخلاقية والعقائدية. الإسلام وفَّر هذه الاجتماعات ليستفاد منها دينياً، لتقوى عواطف وأحاسيس الأخوّة والتعأون بين الأفراد، ولينمو الرشد الفكري أكثر فأكثر، وليجدوا الحلول لمشاكلهم السياسية والاجتماعية، ولينطلقوا بعد ذلك إلى جهاد وسعي جماعي. في البلاد غير الإسلامية أو في ظل الحكومات غير الإسلامية الحاكمة في البلاد الإسلامية يضطرون لصرف الملايين من ثروة البلاد وميزانيتها كلما أرادوا ترتيب مثل هذه الاجتماعات، ومع ذلك فإنّ اجتماعاتهم تلك تفتقر إلى الصفاء، وتكون خالية من كل آثار الخير. لقد أوجد الإسلام ـ من خلال نظمه ـ حوافز تجعل كل شخص يتمنى الذهاب إلى الحج من نفسه، وحتى لو كان سيراً على الأقدام ويتوجه إلى صلاة الجماعة بشوق ورغبة.

علينا أن نستفيد من هذه الاجتماعات لأجل التوجيه والارشاد الديني، ونشر النهضة العقائدية والسياسية الإسلامية. البعض لا يفكر بهذه الأمور، ولا يفكر في أداء القراءة في الصلاة بشكل صحيح. وعندما يذهبون إلى الحج، فبدلاً من أن يسعوا للتفاهم مع أخوتهم المسلمين، ونشر أحكام الإسلام، والتفكير بحلول لمشاكل المسلمين ومصائبهم العامة، فيبذلوا المساعي المشتركة مثلاً لأجل تحرير فلسطين ـ ذلك الوطن الإسلامي ـ وتراهم بدلاً من ذلك يعملون على ايجاد الخلافات. مع أنّ المسلمين في صدر الإسلام كانوا يحققون الانجازات المهمة في اجتماع الحج أو الجماعة والجمعة. لم تكن خطبة الجمعة مجرد قراءة سورة ودعاء وبضع كلمات، بل كانت خطب الجمعة ُتجيّش فيها الجيوش، وكانوا يتوجهون من المسجد إلى ميدان الحرب. وذاك الذي يتوجه إلى ميدان القتال من المسجد لا يخاف سوى الله فقط، ولا يخشى القتل والفقر والتهجير. وجيش كهذا هو جيش فتح وظفر.

عندما تطالعون خطب الجمعة لأميرالمؤمنين (ع) وخطبه بشكل عام تجدون أنه كان ينهج فيها هذا النهج، من تحريك الناس، ودفعهم للنضال، والتضحية في سبيل الإسلام، والدفاع عنه، والعمل على حل مشاكل الدنيا. لو كانوا يجتمعون كل جمعة، ويتدارسون مشاكل المسلمين العامة، ويحلونها أو يصممون على حلها، لما آلت الأوضاع إلى هذه الحال. علينا هذه الأيام أن نقوم بتشكيل وتنظيم هذه الاجتماعات بكل جدية، وأن نستغلها في التعليم والارشاد والتوجيه.

وبهذا تتسع النهضة العقائدية والسياسية للإسلام وتزداد اتّقاداً.

نحو عاشوراء جديدة

تبنُّوا الإسلام واطرحوه، وحققوا بذلك نظير عاشوراء. كيف حفظنا استمرارية عاشوراء بقوة، ولم نسمح بزوالها ونسيانها، وكيف يستمر الناس لليوم بإحياء عاشوراء بالتجمع واقامة الشعائر (سلام على مؤسسها)، فأنتم اليوم أيضاً أوجدوا تياراً يدعو لأمر الحكومة الإسلامية، ويحييها من خلال إقامة الاجتماعات ومجالس العزاء والوعظ، وطرح المسألة وتركيزها في أذهان الشعب.

إذ لو قمتم بالتحدث عن الإسلام، وعرّفتم الناس على عقائده واُصوله وأحكامه ونظمه الاجتماعية، فإنهم سوف يتقبلونه بحماس تام، والله يعلم أن مريدي الإسلام كثيرون. وقد جرَّبت ذلك بنفسي، فعندما كان يتم إلقاء كلمة ما، كانت تحدث تياراً في الناس. والسبب في ذلك هو أن الجميع منزعجون من الوضع وغير راضين عنه، لكنهم لا يستطيعون إظهار ذلك في ظل الحراب والارهاب. فهم يحتاجون لمن يقف ويتكلم بشجاعة. وأنتم أبناء الإسلام الشجعان، قفوا بقوة، وتكلموا أمام الناس، وبيِّنوا الحقائق لجماهير الناس بالاُسلوب البسيط، وادفعوهم نحو التحرك والثورة، وانفخوا في أبناء الشعب ـ من عمال ومزارعين طيبين وجامعيين يقظين ـ روح الجهاد، فسيتحولون جميعاً إلى مجاهدين. إنّ جميع طبقات الشعب مستعدة للنضال لأجل حرية الاُمة واستقلالها وسعادتها. وهذا النضال يحتاج إلى الدين، فضعوا الإسلام ـ الذي هو دين الجهاد والنضال ـ بين يدي الشعب، ليصححوا أخلاقهم وعقائدهم طبقه، ويشكلوا قوة مجاهدة تقضي على الأجهزة السياسية الجائرة الاستعمارية، وتقيم الحكومة الإسلامية.

الفقهاء حصون الإسلام عندما يقومون بدور تبيين عقائد الإسلام ونظمه للناس، ويكونوا مدافعين عنه، ويرسخون ذلك من خلال المواقف الصلبة الواعية، ومن خلال قيادة الناس. فعندها سيشعر الناس ـ ولو بعد مرور العقود الطويلة على فقدهم ـ بأنّ ذلك الخسران كان مصيبة على الإسلام، وأنه قد خلَّف فراغاً. وبحسب تعبير الرواية ثلم في الإسلام ثلمة لا يسدها شيء. عندما يقول الحديث: إذا مات الفقيه المؤمن ثلم في الإسلام ثلمة فهل المراد هو مثلي، ممن جلس في بيته لا شغل له سوى المطالعة؟ إنّما يُثلَمُ في الإسلام ثلمة عندما يفقد الإسلام شخصاً كالإمام الحسين (ع)، الذي كان حافظاً لعقائد الإسلام وقوانينه ونظمه. أو كمثل العلامة نصير الدين الطوسي والعلاّمة الحلي الذين قدّموا الخدمات الجليلة والبارزة، فهؤلاء عندما يموتون يثلم في الإسلام ثلمة. أمّا أنا وحضراتكم فما الذي قدمناه للإسلام لكي نكون مصداق هذه الرواية فيما لو متنا؟ لو مات ألف شخص منا فليس من أثر، فنحن إما أننا لسنا بفقهاء حقيقة، أي كما يجب، أو أننا لسنا مؤمنين حق الإيمان.

المقأومة والنضال طويل الأمد

ليس ثمة عاقل يتوقع أن نتوصل من خلال عملنا التبليغي والارشادي إلى تشكيل الحكومة الإسلامية بسرعة. فمن أجل النجاح في إقامة الحكومة الإسلامية المستقرة، نحتاج إلى أنشطة متنوعة ومتواصلة، فهذا هدف يحتاج إلى وقت طويل. عقلاء العالم يقومون بوضع حجر في مكان ما لكي يقيموا عليه بناءً بعد مئتي سنة من ذلك الوقت، ومن ثم يحققوا النتيجة المرجوة.

سأل الخليفة ذلك المزارع العجوز ـ الذي كان يضع الفسيل ـ عما يدفعه إلى زرع ما يحتاج في انتاجه إلى خمسين سنة اُخرى، حيث يكون قد مات الزارع فأجاب: لقد زرعوا فأكلنا، ونزرع فيأكلون.

فعملنا إذا كانت نتيجته تتحقق للأجيال القادمة، فعلينا أيضاً أن نستمر به، إذ أنه خدمة للإسلام، ولأجل سعادة البشر، وليس أمراً شخصياً لكي نقول: بما أنه لن ينتج الآن، وإنّما سيأخذ نتيجته الآخرون فيما بعد، فلا علاقة لنا به. لو أن سيد الشهداء (ع) ـ الذي ضحى بكل ما لديه من ماديات ـ كان يفكر بمثل هذا التفكير، ولو كان عمله لنفسه ولفائدته الشخصية، لكان هادن منذ البداية، وانتهت القضية. كان الجهاز الأموي الحاكم إنّما يريد من الحسين (ع) البيعة والخضوع لحكمه. فلم يكونوا ليحصلوا على أفضل من ذلك، بأن يعترف ابن النبي (ص) وإمام ذلك الزمان بحكومتهم، ويخاطبهم بلقب أميرالمؤمنين. لكنه (ع) إنّما كان يفكر بمستقبل الإسلام والمسلمين، وعارض وجاهد وضحى لأجل نشر الإسلام في المستقبل، وإقامة أنظمته السياسية والاجتماعية في المجتمعات.

تأملوا في الرواية التي ذكرتها فيما سلف لتجدوا أن الإمام الصادق (ع) الذي كان يعيش في ظروف تقية، وفي ظل ضغوطات الحكام الظلمة، ولم يكن يمتلك أية سلطة تنفيذية، وكان في معظم الأحيان يخضع للمراقبة والمحاصرة، ومع هذا يقوم بتعيين التكاليف للمسلمين، وينصب حكاماً وقضاة. فما معنى هذا التصرف منه (ع) ؟ وأساساً ما الفائدة المترتبة على هذا النصب والعزل؟ إنّ الرجال العظماء ذوي الآفاق الفكرية الواسعة لا يشعرون باليأس في أي وقت من الأوقات، ولا ينظرون إلى وضعهم الحالي، حيث يكونون في السجن، وليس من المعلوم أنهم سيخرجون منه أم لا. بل يخططون للتقدم في أهدافهم مهما كانت الظروف التي يعيشونها، لكي ينفِّذوا تلك الخطط فيما بعد بأنفسهم إذا تمكّنوا، وإذا لم تسنح لهم الفرصة، يقوم بذلك الآخرون ـ ولو بعد مئتين أو ثلاثمائة عام ـ الكثير من النهضات الكبرى بدأت بهذا الشكل. فسوكارنو رئيس جمهورية أندونيسيا السابق كان يحمل تلك الأفكار في السجن، ووضع الخطط والبرامج، ومن ثم نفذها فيما بعد.

والإمام الصادق (ع) ـ عدا عن وضع الخطة ـ قام بالنصب والتعيين أيضاً. لو كان عمل الإمام (ع) ناظراً لذلك الوقت فقط، لكان يُعدُّ عمله هذا ضرباً من اللغو، لكنه (ع) كان يفكر بالمستقبل. فهو لم يكن مثلنا مشغولاً بنفسه ومهتماً بوضعه فقط. كان يحمل همَّ الاُمة والبشرية بل وجميع العالم.

كان يريد إصلاح البشر، وتطبيق قوانين العدل. كان عليه أن يقوم بالتخطيط والتعيين منذ ألف وعدة مئات من السنين، لكي يتوصل إلى يقظة الشعوب هذه الأيام، وإلى وعي الاُمة الإسلامية وثورتها. لم يبق ثمة تحيُّر، فوضع الحكومة الإسلامية ورئيس الإسلام معلوم، واساساً فإنّ دين الإسلام، ومذهب الشيعة، وسائر المذاهب والأديان تقدموا بهذا الشكل. أي لم يكن ثمة شيء في البداية سوى الأطروحة، ومن ثم، وبعد صمود وجدية القادة والأنبياء تحققت النتيجة. لم يكن النبي موسى (ع) سوى راعٍ مارس عمله ذاك لسنين طويلة. وعندما كُلِّف بمواجهة فرعون، لم يكن يملك من مساعدٍ أو نصير. لكنه ـ بما يمتلك من لياقةٍ وصفات وصمود ـ أزال أساس حكومة فرعون بعصاه. أتظنون أنه لو كانت عصا موسى بيدي أو بأيدي حضراتكم لكان حصل معنا نفس النتيجة؟! إنّ الأمر يحتاج إلى همَّة موسى وجدِّيته وتدبيره لكي يتم القضاء على فرعون. وهذا ليس بمقدور أي كان. عندما بُعث النبي الأكرم (ص) بالرسالة، وشرع بالدعوة، لم يؤمن به في البداية سوى طفل في الثامنة من العمر هو أميرالمؤمنين علي بن أبي طالب (ع) وامرأة في الاربعين هي خديجة، ولم يكن لديه سواهما. والجميع يعلم كم ناله من أذى ومحاربة وتخريب. لكنه لم ييأس، ولم يقل لا نصير لدي، بل صمد، وأوصل ـ بقدرته الروحية وعزمه القوي ـ الرسالة من الصفر إلى هذه النتيجة، حيث ينضوي تحت لوائها سبعمائة مليون شخص هذه الأيام.

مذهب الشيعة بدأ أيضاً من الصفر. وعندما وضع الرسول (ص) أساسه قوبل بالاستهزاء، إذ حين جمع الرسول (ص) قومه بداية الدعوة، عرض عليهم دعوته، وسألهم أيهم يؤازره في هذا الأمر ليكون وزيره وخليفته، ولم يجبه أحد سوى أمير المؤمنين (ع) ـ الذي لم يكن قد بلغ سن البلوغ بعد ـ لكنه كان يحمل روحاً كبيرة أكبر من كل الدنيا. التفت أحدهم إلى أبي طالب، وقال له مستهزئاً: لقد أمرك أن تطيع ابنك وتسمع له.

وفي ذلك اليوم الذي أعلن فيه ولاية أميرالمؤمنين (ع) على الناس قوبل بالبخبخة (بخٍ بخٍ) الظاهرية، لكن العصيان والخلاف بدأ منذ ذلك الوقت، واستمر إلى النهاية. لو كان الرسول (ص) نصبه مرجعاً للمسائل الشرعية فحسب، لما خالفه أحد. لكن نصبه خليفة له، وجعله الحاكم على المسلمين، والمقرر لمصير اُمة الإسلام، وهذا هو الذي سبب هذه الاعتراضات والمخالفات. وأنتم اليوم إذا جلستم في بيوتكم، ولم تتدخلوا في أمور البلاد، فلن يتعرض لكم أحد. وإنما يتعرضون وكل فيما لو تدخلتم في أمور البلاد فحسب. وأميرالمؤمنين (ع) والشيعة نالوا كل هذا الأذى، وكل هذه المصائب بسبب تدخلهم في أمور الحكومة وسياسة البلاد. لكنهم مع هذا لم يتخلُّوا عن الجهاد والعمل، إلى أن صار عدد الشيعة اليوم ـ نتيجة جهادهم وعملهم التبليغي ـ حوالي مئتي مليون شخص.

إصلاح الحوزات العلمية

إنّ نشر الإسلام وبيان مفاهيمه وتوضيح معالمه يحتاج إلى اصلاح الحوزات العلمية. وذلك بتكامل برامج الدراسة، واُسلوب التبليغ والتعليم، وتبديل التراخي والاعمال واليأس وعدم الثقة بالنفس، بالجد والسعي والأمل والثقة بالنفس، وإزالة الآثار التي حصلت في روحية البعض بسبب دعايات الاجانب وتلقيناتهم، وإصلاح أفكار جماعة المتظاهرين بالقداسة، الذين يعيقون عملية الاصلاح في الحوزات والمجتمع، ونزع عمائم معممي البلاط ـ الذين يبيعون الدين بالدنيا ـ وطردهم من الحوزات.

إزالة الآثار الفكرية والأخلاقية للاستعمار

لقد عمل عملاء الاستعمار والأجهزة التربوية والاعلامية والسياسية للحكومات العميلة لمدة قرون على بث السموم، وإفساد أفكار وأخلاق الناس، والأشخاص الذين كانوا يأتون إلى الحوزة هم من بين أفراد الشعب، ويحملون معهم التأثيرات الفكرية والأخلاقية السيئة ولا شكّ. إذ الحوزات العلمية جزء من الشعب والمجتمع. لذا علينا أن نسعى لإصلاح عناصر الحوزات فكرياً وأخلاقياً، وأن نواجه ونزيل الآثار الفكرية والروحية الناتجة عن دعايات وتلقينات الأجانب وسياسة الدول الخائنة والفاسدة.

إنّ هذه الآثار ملحوظة بشكل واضح، إذ نجد أنّ البعض منا في الحوزات يتهامسون بأننا عاجزون عن القيام بمثل هذه الأمور، ما لنا ولهذه الأمور؟ نحن علينا أن ندعو، ونجيب على الاستفتاءات فقط. هذه الأفكار من آثار تلقينات الأجانب، وهي من نتائج دعايات السوء التي كان يبثها المستعمرون خلال هذه القرون المتأخرة، تغلغلت في أعماق القلوب في النجف وقم ومشهد وسائر الحوزات، وسببت الضعف والوهن، وهي لا تسمح لحامليها بالرشد والنمو الفكري.

إنّهم يتعللون باستمرار بأننا لا نقدر على هذه الأمور. هذه افكار خاطئة فهؤلاء الذين يحكمون البلاد الإسلامية هذه الأيام ماذا يمتلكون لكي يتمكّنوا من القيام بذلك من دوننا؟ من منهم يمتلك الكفاءة أكثر من الأشخاص العاديين؟ والكثير منهم لم ينل أي تعليم أصلاً. فأين درس حاكم الحجاز وماذا درس؟ ورضا خان كان أمياً، لم يكن أكثر من جندي أميّ. وهكذا كان الوضع في التاريخ أيضاً، فالكثير من الحكام المتفرعنين والمتسلطين لم يكونوا يتمتعون بكفاءة إدارة المجتمع وتدبير الاُمة، أو شيء من علم أو فضيلة. كهارون الرشيد أو غيره ممن حكموا البلاد الكبيرة. ما هو حظ أولئك من العلم؟ العلم والتخصص إنّما يحتاج إليهما في التخطيط والأمور التنفيذية والادارية، ونحن أيضاً سوف نستفيد من وجود أشخاص كهؤلاء. أمّا ما له علاقة بالإشراف والإدارة العليا للبلاد، وبسط العدالة بين الناس هو ما درسه الفقيه وحصَّله، وما هو ضروري لحفظ الحرية الوطنية والاستقلال هو ما يمتلكه الفقيه، فالفقيه هو الذي لا يخضع لنفوذ الأجانب، ولا يركع للآخرين، ويدافع إلى آخر نفس عن حقوق الشعب، وعن الحرية والاستقلال، وأراضي الوطن الإسلامي. والفقيه هو الذي لا ينحرف يميناً وشمالاً.

ابعدوا هذا الجمود عنكم، أكملوا وأنضجوا برامجكم وأساليبكم التوجيهية، وابذلوا الجهود في نشر الإسلام وتعريفه، وصمموا على إقامة الحكومة الإسلامية، وبادروا للتقدم في هذا الطريق، وضعوا أيديكم بأيدي الشعب المناضل والباحث عن الحرية، وعندها يكون أمر إقامة الحكومة الإسلامية أمراً مؤكداً. ثقوا بأنفسكم، فأنتم تمتلكون القدرة والجرأة والتدبير للنضال في سبيل تحرير الاُمة واستقلالها، وعندما تتمكنون من توعية الشعب ودفعه للنضال، وزعزعة أجهزة الاستعمار والاستبداد، فسوف تنمو تجاربكم، وتزداد كفاءتكم وتدبيركم في الأمور الاجتماعية يوماً بعد يوم. وعندما تنجحون في القضاء على أجهزة الحكم الجائر فستتمكّنون يقيناً من القيام بمسؤولية إدارة الحكومة وقيادة جماهير الشعب. إنّ برامج الحكومة والإدارة والقوانين اللازمة لها جاهزة. فالإسلام قرر الضرائب والموارد اللازمة لادارة البلاد، وكذلك سن جميع القوانين التي يحتاج إليها في ذلك. فلن تحتاجوا بعد تشكيل الحكومة إلى وضع قانون، أو لاستعارة القوانين من الآخرين كمثل الحكام المتغربين والمبهورين بالأجانب. فكل شيء جاهز ومهيَّأ. ولم يبق سوى برامج الوزارات التي يتم إعدادها وتنظيمها واقرارها من خلال التعأون بين المستشارين والمعأونين المتخصصين في المجالات المختلفة المؤتلفين في مجلس استشاري.

ومن حسن الحظ فإنّ الشعوب أيضاً مؤيدة لكم ومتحدة معكم. وما ينقصنا هو الهمة والقوة المسلحة، وهذا أيضاً سنحصل عليه إن شاء الله. نحتاج إلى عصا موسى وهمته. يجب أن يكون لدينا من يستعمل عصا موسى، وسيف علي بن أبي طالب (ع).

أجل، فإنّ هؤلاء الأشخاص العديمي اللياقة الجالسين في الحوزات لا يقدرون على تشكيل حكومة وحفظها، لأنّهم من العجز إلى درجة أنهم لا يستطيعون استعمال القلم أيضاً، ولا التحرك لانجاز أي عمل.

لقد غرس الأجانب واتباعهم في أذهاننا بأنّه لا شغل لنا بهذه الأمور، ولسنا أهلاً لها، وان علينا أن نهتم بشغلنا، بمدارسنا ودرسنا وتحصيلنا، وأنا للآن لا أستطيع إخراج هذه الدعايات السيئة من أذهان البعض، وافهامهم أن عليهم أن يكونوا رؤساء البشر، وأنهم مثل الآخرين يستطيعون إدارة مملكة. فبماذا يتميّز عليكم الآخرون سوى أنهم قضوا أوقاتاً طيبة في مكان ما، أو أنهم ربما درسوا في الأثناء أيضاً؟!

نحن لا نقول لا تدرسوا، فلسنا معارضين للتحصيل وللعلم. فليذهبوا إلى القمر، ولينتجوا المصنوعات الذريّة، فنحن لا نمنعهم، غاية الأمر إن لنا تكليفاً وموقفاً تجاه تلك الأمور. قوموا ببيان مفاهيم الإسلام، وأوصلوا الصورة الإسلامية عن الحكومة إلى جميع أنحاء الدنيا، فلعل سلاطين البلاد الإسلامية ورؤساء جمهورياتها يلتفتون إلى صحة الموقف ويلتزمون به. فنحن لا نريد انتزاع السلطة منهم، فكل من كان منهم أميناً وملتزماً نتركه في موقعه.

نحن المسلمون يبلغ تعدادنا في الدنيا اليوم سبعمائة مليون شخص، مائة وسبعون مليون منهم شيعة. هؤلاء كلهم معنا، لكننا لم نستطع إداراتهم بسبب ضعف همتنا. علينا أن نشكل الحكومة التي تكون أمينة على الشعب، ويطمئن لها الشعب، ويستطيع أن يسلمها مصيره. نريد حاكماً أميناً ليحمل الأمانة، وتعيش الاُمة في كنفه، وكنف القانون براحة بال.

يجب أن نحمل هم هذه الأمور. ولا يجب أن نيأس. لا تتصوروا أنّ هذا الأمر لا يتحقق. والله يعلم أن كفاءتكم ولياقتكم ليست بأقل من الآخرين. إذا كانت اللياقة هي الظلم وسفك الدماء، فبالطبع لسنا كذلك. عندما جاءني ذلك الرجل في السجن حيث كنت أنا والسيد القمي سلمه الله ـ والذي لا يزال لحد الآن متورطاً بالبلاء والمشاكل ـ قال: السياسة سوء طوية وكذب، وباختصار هي بلاء ولعنة فاتركوها لنا وقد صدق فيما قال، إذ لو كانت السياسة هي هذه الأمور خاصة، فهي خاصة بهم. لكن الإسلام فيه سياسة، والمسلمون عندهم سياسة، وأئمة الهدى (ع) هم ساسة العباد لكنها سياسة بغير المعنى الذي ذكره. لقد أراد استغفالنا. ومن ثم ذهب فأعلن في الصحف أنه قد تم التفاهم على عدم تدخل علماء الدين في السياسة وبعد خروجي من السجن صعدت المنبر وكذَّبت كلامه، وقلت لهم أن هذا كذب، وإذا كان الخميني أو غيره قد تكلم بشيء كهذا فإننا نخرجه.

لقد غرسوا في أذهانكم من البداية أنّ السياسة تعني الكذب وما شابه ذلك من المعاني، لكي يبعدوكم عن أمور البلاد، بينما يتصرفون هم كما يريدون. وأنتم عليكم بالدعاء أيضاً، عليكم بالجلوس هنا والدعاء بـخلد الله ملكه بينما هم يفعلون ما يحلو لهم، ويرتكبون القبائح التي يريدون. بالطبع فهم لا يمتلكون هذه الدرجة من الفهم ـ وللّه الحمد ـ لكن أساتذتهم وخبراءهم هم الذين وضعوا هذه الخطط. وضعها الاستعمار الانكليزي الذي دخل بلاد الشرق منذ ثلاثة قرون، وتعرّف إلى جميع أمور هذه البلاد.

وبعد ذلك أيضاً اتفق المستعرون الأمريكيون وغيرهم مع الانكليز، وساروا معاً مشتركين في تطبيق هذه المخططات. عندما كنت في همدان ـ في وقت ما ـ أراني أحد طلاب الحوزة ـ الذي كان رجلاً فاضلاً تخلى عن اللباس الديني لكنه حافظ على الناحية المسلكية ـ ورقة كبيرة قد وضعت عليها علامات بالأحمر. وحسب قوله فإنّ هذه العلامات الحمراء إشارات إلى الثروات الطبيعية المخزونة الموجودة في إيران، والتي قد اكتشفها الخبراء الأجانب. درس الخبراء الأجانب بلادنا، وتعرفوا إلى أماكن وجود ثرواتنا الطبيعية من ذهب ونحاس ونفط وغير ذلك. وفهموا نفسياتنا، ووزنوا مستوى روحية الأشخاص في بلادنا. وعلموا أن الشيء الوحيد الذي يشكل سدّاً في مقابلهم، ويمنع خططهم من التنفيذ، هو الإسلام وعلماؤه. لقد تعرف هؤلاء إلى قوة الإسلام الذي وصلت سيطرته إلى أوربا، وعلموا أنّ الإسلام الحقيقي معارض لما يريدون. كما أدركوا أيضاً أنهم لا يستطيعون الهيمنة على علماء الدين الحقيقيين والتصرف بفكرهم. لذا سعوا من البداية لإزالة هذه الشوكة من طريق سياستهم، وإلى إضعاف الإسلام والقضاء على مؤسسة علماء الدين. وقاموا بذلك أيضاً من خلال دعايات السوء بنحو صار فيه الإسلام يبدو بنظرنا هذه الايام أنه لا يتجأوز عدة مسائل. فمن جهة سعوا إلى تحقير وتشويه صورة علماء الدين والفقهاء ـ الذين هم على رأس الجمعيات الإسلامية ـ من خلال التهم الباطلة، أو غير ذلك من الأساليب. عديم الكرامة وعميل الاستعمار ذاك الذي كتب في كتابه: أنّ ستمائة من علماء النجف وإيران كانوا يعملون لحساب الانكليز، وأن الشيخ مرتضى قبض المعاش منهم لمدة سنتين فقط، ثم التفت للأمر، والمصدر الذي اعتمد عليه هو المستندات المحفوظة في ملفات وزارة الخارجية الانكليزية في الهند. إنها أيادي الاستعمار التي تدفعهم للتهجم علينا لتحقيق ما يريدونه من نتائج. يتمنى الاستعمار أن يقال: إنّ جميع العلماء مأجورون له، وذلك لكي تتشوه سمعة علماء الإسلام بين الناس، لكي يعرض الناس وينصرفوا عنهم.

ومن جهة اُخرى يسعى بدعاياته وتلقيناته لتصغير الإسلام وتحديده، وحصر دور فقهاء الإسلام وعلمائه بالأعمال الصغيرة. فأرجوا إلينا أن لا شغل للفقهاء سوى بيان الأحكام، ولا تكليف لهم سوى ذلك. وقد صدقهم البعض عن قلة فهم وضاعوا. لم يعلموا أن هذه مخططات هدفها القضاء على استقلالنا، والتسلط على جميع مقدرات بلادنا الإسلامية. وقاموا بتقديم العون ـ من دون علم ـ لمراكز التبليغ والدعاية الاستعمارية في سياستهم، وفي تحقيق أهدافهم. لقد أشاعت المؤسسات التبليغية للاستعمار بأنّ الدين منفصل عن السياسة، وأن علماء الدين لا ينبغي لهم أن يتدخلوا في أي أمر اجتماعي، والفقهاء ليسوا مكلفين بالاشراف على مصيرهم ومصير الاُمة الإسلامية. وقد صدّقهم البعض ـ مع الأسف ـ ووقعوا تحت تأثيرهم، وكانت النتيجة ما نراه الآن. إنّها أمنية الاستعمار في الماضي والحاضر والمستقبل.

انظروا إلى الحوزات العلمية لتروا آثار هذه الدعايات والتلقينات الاستعمارية فستجدون أناساً مهملين عاطلين عن العمل، لا همة لهم، يقتصرون على بيان الأحكام والدعاء، ولا يقدرون على سوى ذلك. وستواجهون خلال ذلك أفكاراً ومناهج من آثار هذه الدعايات والتلقينات. كمثال على ذلك فكرة: أنّ الكلام ينافي شأن عالم الدين، وأن العالم والمجتهد لا ينبغي أن يكون متحدثاً (خطيباً) وإذا كان خبيراً بذلك فلا ينبغي له أن يمارسه! وإنّما عليه أن يقول لا إله إلاّ الله فحسب، وينطق بكلمة واحدة أحياناً. مع أنّ هذه الفكرة غلط، وخلاف سنة رسول الله (ص). لقد امتدح الله تعالى البيان والقلم، ويقول في سورة الرحمن: {علمه البيان} ويعدّ تعليمه البيان إكراماً ونعمة كبرى. فالبيان يحتاج إليه لأجل نشر أحكام الله وتعاليم الإسلام وعقائده، وإنّما نستطيع تعليم الناس الدين ونصير مصداقاً لـيعلّمونها الناس بواسطة البيان. كان لرسول الله (ص) ولأميرالمؤمنين (ع) مواقف بيانية وخطب مشهورة، فقد كانوا فرسان الكلام.

إصلاح المقدسين (المتظاهرين بالقداسة)

هناك نمط من الأفكار البلهاء موجودة في أذهاب البعض، حيث يرون مساعدة المستعمرين والدول الجائرة، للمحافظة على وضع البلاد الإسلامية بهذه الصورة، ومنع النهضة الإسلامية. هذه أفكار جماعة مشهورين باسم المقدسين بينما هم الحقيقة متصنعو القداسة لا مقدسون، ويجب علينا أن نصلح أفكار هؤلاء، ونوضح موقفنا منهم، لأنّهم يعيقون نهضتنا وعملنا الاصلاحي، وقد كبلوا أيدينا. اجتمع في منزلي يوماً آية الله البروجردي وآية الله حجت وآية الله الصدر وآية الله الخونساري (رضوان الله عليهم أجمعين) لأجل البحث في أمر سياسي. فقلت لهم: قبل كل شيء احسموا وضع هؤلاء المتقدسين، فإنّ وجود هؤلاء بمثابة تقييد لكم من الداخل مع هجوم العدو من الخارج. إنّ هؤلاء اسمهم مقدسون ـ لا أنهم مقدسون واقعاً ـ وليسوا مدركين للمصالح والمفاسد، وقد كبّلوا أيديكم. وإذا أردتم القيام بعملٍ ما من استلام الحكم، أو السيطرة على المجلس لمنع وقوع هذه المفاسد، فإنّ هؤلاء سوف يقضون على جهودكم في المجتمع، فعليكم إيجاد حلٍّ لهؤلاء قبل كل شيء.

أضحى وضع المجتمع الإسلامي هذه الأيام بنحو بات فيه متصنّعو القداسة يعيقون تأثير الإسلام والمسلمين، ويطعنون الإسلام باسم الإسلام. وأساس هذه الجماعة ـ الممتدة في المجتمع ـ من الحوزات العلمية. ففي حوزات النجف وقم ومشهد وغيرها من الحوزات يوجد أشخاص يحملون روحية التظاهر بالقدسية، ومنهم تسري روحية وأفكار السوء في المجتمع باسم الإسلام، وهم الذين يعارضون كل صوت يدعو للحياة الحرة والاستقلال من تحت هيمنة الآخرين، وإلى منع الانكليز والأمريكان من الهيمنة علينا إلى هذه الدرجة، وإلى مواجهة اسرائيل في اعتداءاتها على المسلمين. علينا في البدء أن ننصحهم ونوقظهم وننبههم إلى الخطر، إلى جرائم إسرائيل من قتل وتهجير، وإلى دعم الانكليز وأمريكا لها، بينما هم يتفرجون. ونلفتهم إلى ضرورة اليقظة آخر الأمر، وحمل هم مشاكل الناس وحاجاتهم، وإلى أن الدرس وبيان الأحكام وحدهما لا يكفيان. ففي الوقت الذي يقوم به الأعداء بالقضاء على الإسلام وعلى وجوده لا يجب أن نظل ساكتين، ونجلس كالنصارى الذين جلسوا يتكلمون حول الروح القدس والتثليث؛ بينما العدو يقوم بالقضاء عليهم. استيقظوا وعوا هذه الحقائق والوقائع، والتفتوا إلى مسائل العصر، ولا تدعوا أنفسكم هَمَلاً إلى هذه الدرجة. أتريدون أن تضع الملائكة اجنحتها تحت أقدامكم وأنتم بهذا الاهمال؟ فهل الملائكة أعوان المتقاعسين (التنابل) ؟ الملائكة يضعون أجنحتهم تحت قدم أمير المؤمنين (ع)، لأنه رجل ينفع الإسلام، وينصر الإسلام ويعظمه، وقد انتشر الإسلام في الدنيا واشتهر في العالم بواسطته، وفي ظل قيادته وجد المجتمع المحترم والحر، والمملوء حيوية وفضيلة. فمن الطبيعي أن تخضع له الملائكة، وأن يخضع ويخشع له الجميع، فحتى العدو يخضع أمام عظمته. أمّا أنتم الذين لا دور لكم سوى بيان الأحكام، فلا معنى ولا محل للخضوع لكم.

وإذا لم يستيقظ هؤلاء بعد الارشاد والتذكير والنصائح المتكررة، ولم ينهضوا للقيام بوظائفهم، عندها يُعلم أن قصورهم ليس عن غفلة، وإنّما عندهم مرض آخر. فعندئذ سيكون حسابهم بنحو آخر.

تطهير الحوزات

إن الحوزات العلمية هي مراكز تدريس وتعليم وارشاد وقيادة للمسلمين. وهي مركز الفقهاء العدول والفضلاء والمدرسين والطلاب، مركز أمناء الأنبياء وخلفائهم، مركز الأمانة. ومن الواضح أنّ الأمانة الإلهية لا يمكن تسليمها لأي كان. فالشخص الذي يريد تولِّي منصب مهم كهذا ـ ليكون وليّاً لأمر المسلمين، ونائباً لأمير المؤمنين (ع)، ومسؤولاً عن الأعراض والأموال، والنفوس والمغانم والحدود وأمثالها ـ يجب أن يكون نزيهاً ومعرضاً عن الدنيا. فذلك الذي يسعى ويجدّ لأجل تحصيل الدنيا ـ وإن كان ذلك في أمر مباح ـ ليس أمين الله، ولا يمكن الاطمئنان إليه، وذلك الفقيه الذي يدخل في أجهزة الظلمة، ويصير من حواشي البلاط، ويطيع أوامرهم، ليس أميناً، ولا يمكنه أن يكون حامل الأمانة الإلهية. والله يعلم كم نال الإسلام من مصائب من علماء السوء هؤلاء من صدر الإسلام إلى اليوم. أبو هريرة أحد الفقهاء، لكن الله يعلم كم وضع من أحاديث لصالح معأوية وأمثاله، وكم سبب من مصائب للإسلام. إنّ دخول العلماء في أجهزة الظلمة والسلاطين يختلف عن دخول الأفراد العاديين. إنّ الإنسان العادي الداخل في أجهزتهم فاسق، ولا يترتب عليه شيء أكثر من هذا. لكن دخول فقيه أو قاض كأبي هريرة، وشريح القاضي يمنح الجهاز الظالم عظمة وقوة، ويضعف الإسلام. إنّ دخول فقيه واحد في أجهزة الظلمة يشابه دخول اُمة، وليس كدخول شخص عادي، ولذا حذَّر الأئمة (عليهم السلام) من الدخول في تلك الأجهزة، وذكروا أنه لولا دخول الفقهاء لما وصلت الأمور إلى ما وصلت إليه. إنّ التكاليف والوظائف المطلوبة من فقهاء الإسلام لا تجب على غيرهم، ففقهاء الإسلام ـ وبسبب مرتبة الفقاهة التي يمتلكونها ـ عليهم التخلي عن الكثير من المباحات والإعراض عنها.

إذ ليس لفقهاء الإسلام أن يستعملوا التقية في بعض الموارد التي يجوز للآخرين استعمالها. فالتقية كانت لأجل حفظ الإسلام والمذهب، فلو لم يتّقوا لما بقي المذهب.

والتقية إنما تكون في الفروع ككيفية الوضوء مثلاً، أما عندما تكون أصول الإسلام وكرامته في خطر؛ فلا مجال للتقية والسكوت. فلو ألجؤا فقيهاً ما لصعود المنبر، والتكلم بخلاف حكم الله، فهل يمكنه الاطاعة تحت شعار التقية ديني ودين آبائي.

هنا لا محل للتقية. ولو كان دخول فقيه في أجهزة الظلمة مؤدياً إلى رواج الظلم وضعف الإسلام؛ فلا يحق له الدخول، حتى لو أدى ذلك إلى قتله. ولا يقبل منه أي عذر، إلاّ أن يكون لدخوله أساس ومنشأ عقلائي، كحالة علي بن يقطين الذي كان سبب دخوله معلوماً، أو العلامة نصير الطوسي رضوان الله عليه الذي كان لدخوله تلك الفوائد المعلومة. وبالطبع فإنّ فقهاء الإسلام منزهون عن تلك الأمور، ووضعهم واضح من صدر الإسلام إلى الآن، كمثل النور يشعون فينا، وليس فيهم مجال للخدش، أمّا رجال الدين أولئك الذين كانوا مع الحكام في ذلك الزمان فليسوا من مذهبنا، ففقهاء الإسلام لم يكتفوا بعدم إطاعة الحاكم، بل عارضوهم أيضاً، وتعرضوا للحبس والضغوطات، ومع هذا لم يخضعوا لهم. لا يتوهمن أحد أن علماء الإسلام كانوا داخلين في تلك الأجهزة، أو أنهم الآن كذلك. نعم في بعض الأحيان يدخلون ضمن النظام لأجل السيطرة عليه أو قلبه، والآن أيضاً لو أمكن القيام بذلك بالنسبة لنا؛ لوجب علينا الدخول، وهذا ليس محلاً للكلام. وانما الإشكال على أولئك الذين وضعوا العمائم على رؤوسهم، ودرسوا بضع كلمات في مكان ما، أو لم يدرسوا، واتبعوا تلك الأنظمة لأجل بطونهم، أو طلباً للرئاسة. فماذا ينبغي أن نفعله مع هؤلاء؟

اطردوا علماء البلاط

إنّ هؤلاء ليسوا فقهاء الإسلام، والكثير منهم قد عمّمهم السافاك (جهاز الأمن عند الشاه) ليدعوا وليسبحوا بحمد الشاه وجلاله، ويكون عندهم البديل فيما لو لم يتمكّنوا من اجبار أئمة الجماعة عن الحضور في الأعياد وسائر المراسم، ولقد منحوه لقب جل جلاله مؤخراً! هؤلاء ليسوا بفقهاء، وباتوا معروفين والناس صارت تعرفهم. يقول الإمام (ع) في ذلك الحديث: خافوا (من هؤلاء) على دينكم، انهم يقضون على دينكم. هؤلاء يجب أن يُفضحوا ويُسقّطوا عند الناس لو كان عندهم وجاهة ـ فهؤلاء ما لم يسقطوا في المجتمع؛ فانهم يلحقون الاهانة بإمام الزمان، ويسقطون الإسلام.

على شبابنا أن ينزعوا عمائم هؤلاء المعممين الذين يقومون بفساد كهذا في مجتمعنا باسم فقهاء الإسلام وعلمائه. لست أدري هل مات شبابنا في إيران؟ أين هم؟ عندما كنا هناك لم يكن الأمر كذلك. لِمَ لا ينزعون عمائم هؤلاء؟ لم أقل اقتلوهم، فإنهم لا يُقْتَلون. لكن انزعوا عمائمهم. إن شعبنا مكلف، وشبابنا الغيور في إيران مكلف بعدم السماح لهؤلاء المعممين (الناطقين بجلاله) بالظهور كمعممين في أماكن تجمعنا، وبالتحرك كمعممين بين الناس. ليس من الضروري الإكثار من ضربهم وتأديبهم، لكن لينزعوا عمائمهم، وليمنعوهم من الظهور بالعمائم. هذا اللباس شريف، فلا يجب أن يرتديه أي كان.

لقد ذكرت أنّ علماء الإسلام منزَّهون عن هذه الأمور، ولم يكونوا ـ ولا هم حالياً كذلك ـ ضمن هذه الأجهزة. وأولئك التابعون لهذه الأجهزة إنما هم من الفارغين، الذين ألصقوا أنفسهم بالمذهب وبالعلماء، ووضعهم مختلف، والناس يعرفونهم.

نحن أيضاً عندنا مسؤوليات وتكاليف صعبة. يجب أن نكمِّل أنفسنا أكثر من الناحية الروحية، ومن ناحية نمط المعيشة. يجب أن نترقى في الصلاح والتقى أكثر فأكثر، وأن نعرض عن حطام الدنيا. أنتم أيّها السادة عليكم أن تجهزوا أنفسكم لحفظ الأمانة الإلهية. أن تكونوا اُمناء، وأن تحقِّروا الدنيا. صحيح أنكم لا تستطيعون أن تكونوا كأمير المؤمنين (ع) الذي يقول إنّ الدنيا عند كعفطة عنز لكن أعرضوا عن حطام الدنيا، وزكّوا أنفسكم، وتوجهوا إلى الله تعالى، وكونوا أتقياء. إذا كنتم ـ لا سمح الله ـ تدرسون لأجل نيل الوجاهة فلن تصبحوا فقهاء ولا اُمناء للإسلام. جهِّزوا أنفسكم لتكونوا مفيدين للإسلام. كونوا جنود إمام الزمان (ع) لتتمكنوا من تأدية الخدمات ونشر العدالة. الأشخاص الصالحون هم الذين يكون وجودهم في المجتمع كمصلحين.

لقد رأينا مثل هؤلاء الأشخاص الذين ينال الإنسان النزاهة بمجرد معاشرتهم ومرافقتهم. اعملوا لتصلحوا الناس، ويقتدوا بكم من خلال تصرفاتكم وأعمالكم وسلوككم وأخلاقكم وإعراضكم عن الدنيا. كونوا قدوة للأنام. كونوا جند الله، لتعرفوا الناس الإسلام وحكومته. أنا لا اقول لكم اتركوا التحصيل، يجب أن تدرسوا وتصبحوا فقهاء، جدّوا في الفقاهة، لا تدعوا هذه الحوزات تخلو من الفقاهة، فما لم تصبحوا فقهاء لن تتمكنوا من خدمة الإسلام. الإسلام في هذه الأيام غريب، ولا أحد يعرفه، وعليكم أن توصلوا الإسلام وأحكامه إلى الناس ليفهموا ما هو الإسلام، وكيف تكون حكومته، وماذا تعني الرسالة والإمامة، وما الهدف الذي جاء لأجله الإسلام، وما الذي يريده. وعندما يُعرف الإسلام شيئاً فشيئاً، ستقام الحكومة الإسلامية في يوم من الأيام إن شاء الله.

لنسقط الحكومات الجائرة

لنقطع علاقاتنا بالمؤسسات الحكومية ونمتنع عن التعأون معها، ونرفض القيام بكل ما من شأنه أن يُعَدَّ عوناً لهم، ونبني مؤسسات قضائية ومالية واقتصادية وثقافية وسياسية جديدة.

إنّ إسقاط الطاغوت ـ أي السلطات غير الشرعية القائمة في مختلف أنحاء الوطن الإسلامي ـ هو مسؤوليتنا جميعاً. يجب أن نستبدل الأجهزة الحكومية الجائرة والمعادية للشعب بمؤسسات خدمات عامة تدار وفقاً للقانون الإسلامي، وشيئاً فشيئاً تستقر الحكومة الإسلامية. لقد نهى الله تعالى في القرآن الكريم عن إطاعة الطاغوت والسلطات غير المشروعة، وحث الناس على الثورة ضد السلاطين، وأمر موسى (ع) بذلك. توجد أحاديث كثيرة تحث على محاربة الظلمة، والذين يتصرفون بالدين. كان للأئمة (ع) ولأتباعهم ـ أي الشيعة ـ مواجهات مستمرة مع الحكومات الجائرة وسلطات الباطل، وهذا الأمر واضح في سيرتهم ونمط حياتهم. وقد ابتلوا بحكام الظلم والجور في كثير من الأحيان، وعاشوا في ظروف تقية وخوف شديدين. وبالطبع فإنّ خوفهم كان لأجل المذهب لا على أنفسهم، ونلاحظ هذا الأمر كلما راجعنا الروايات. كما كان حكّام الجور يشعرون بالخوف من الأئمة (ع) باستمرار، إذ كانوا يعلمون أنهم لو فسحوا المجال للأئمة (ع) لثاروا عليهم، وحرَّموا عليهم حياة اللهو والترف والمجون. فعندما نرى هارون الرشيد يحبس الإمام الكاظم (ع) عدة سنوات، أو نرى المأمون يأخذ الإمام الرضا (ع) إلى مرو ليكون تحت نظره، ومن ثم يقوم بسمِّه، فليس ذلك لأن الأئمة (ع) سادة وأولاد النبي (ص) بينما الرشيد والمأمون معادون للنبي، إذ هارون والمأمون كانا شيعيين كلاهما، وانما كان ذلك بسبب أن المُلك عقيم. لأنهم كانوا يعلمون أنّ أولاد علي (ع) يرون الخلافة لأنفسهم ومن مسؤولياتهم، ويصرّون على إقامة الحكومة الإسلامية. إذ عندما طُلب من الإمام (ع) أن يعيّن حدود فدك ليردُّها لهم قام الإمام (ع) ـ حسب الرواية ـ بذكر حدود البلاد الإسلامية (كحد لفدك). وهذا يعني أنه يرى حقه ما بين هذه الحدود، وأنه هو الذي يجب أن يكون حاكماً عليه، وأن الذين يحكمون حينها كانوا غاصبين، فرأى أنه إذا بقي الإمام موسى بن جعفر (ع) حراً فسوف يحرّم الحياة عليهم، ومن الممكن أن تتاح له الفرصة، فيقوم بالثورة عليهم وانتزاع السلطة منهم، ولذا لم يمهلوه. ولو أمهلوه لكان قام بثورته بلا شك. كونوا متيقنين أنه لو دامت الفرصة للإمام الكاظم (ع) لكان ثار، وقلب نظام حكم السلاطين الغاصبين.

كذلك المأمون قام بوضع الإمام الرضا (ع) تحت نظره ـ مع كل ما أبداه المأمون من تملق وكذب ومحابات ـ ومخاطبته له بـيا ابن العم، أو يا ابن رسول الله، وذلك خوفاً من أن يثور يوماً عليه ويقلب أساس الحكم. إذ أنه ابن رسول الله (ص)، وقد أوصى له، فلا يمكن تركه في المدينة حراً طليقاً.

إنّ حكام الجور يريدون السلطة، وهم يضحّون بكل شيء في سبيلها، لا أنهم يمتلكون عدأوة خاصة تجاه أحد. إذ لو رضي الإمام (ع) ـ والعياذ بالله ـ أن يكون من أتباع البلاط، لعاملوه بمنتهى الإعزاز والاحترام، ولقاموا بتقبيل يديه أيضاً ـ بحسب الرواية ـ عندما دخل الإمام (ع) على هارون أمر بأن يظل راكباً حتى يصل إلى مجلسه، وعامله بمنتهى الاحترام. وعندما جاء وقت توزيع عطاء بيت المال ووصل الدور لبني هاشم

أعطاهم مبلغاً يسيراً، وكان المأمون حاضراً. فتعجب من ذلك الاحترام مع هذا النحو من التوزيع. فقال له هارون: يا بني أنت لا تدري. ينبغي أن لا يزيد سهم بني هاشم عن هذا المال، إن هذا الأمر لهم، وهم أولى به منا، فلو مكناهم لوثبوا علينا فيجب أن يبقى بنو هاشم هكذا فقراء، مسجونين منفيين، مقتولين، مسمومين، يعيشون المعاناة، وإلاّ لقاموا علينا، وأبدلوا حلأوة أيامنا بالمرارة.

ولم يكتف الأئمة (ع) بأن يقوموا هم بمحاربة الأنظمة الظالمة والدولة الجائرة واتباع البلاط الفاسدين، بل حثُّوا المسلمين على جهادهم أيضاً. هناك أكثر من خمسين رواية في وسائل الشيعة والمستدرك والكتب الأخرى تدعو إلى الابتعاد عن السلاطين والحكام الظلمة، وإلى وضع التراب في فم المداحين لهم. وتبين مراتب عقوبة من ينأولهم دواة، أو يملأها لهم بالحبر والخلاصة أنها تأمر بقطع العلاقات معهم، وعدم التعأون معهم بأي شكل من الأشكال. ومن جهة اُخرى وردت كل تلك الروايات في مدح وتفضيل العالم والفقيه العادل ونبهت إلى أفضليتهم على سائر الناس. فهذا كله يمثّل خطة وضعها الإسلام لتشكيل الحكومة الإسلامية، وذلك من خلال إبعاد الناس وصرفهم عن الأنظمة الظالمة، وتخريب بيوت الظلم، وفتح أبواب الفقهاء ـ العدول المتقين المجاهدين العاملين في سبيل تطبيق الأحكام الإلهية، وإقامة النظام الإسلامي ـ أمام الناس.

لن يتمكن المسلمون من العيش في أمن وهدوء ـ مع حفظ إيمانهم وأخلاقهم الفاضلة ـ إلاّ في كنف حكومة العدل والقانون، الحكومة التي وضع الإسلام نظامها وطريقة إدارتها وقوانينها. فتكليفنا اليوم هو تطبيق مشروع الحكومة الإسلامية وترجمته في ساحة العمل.

آمل أن يؤدي بيان وتعريف نمط الحكومة، والاُصول السياسية والاجتماعية للإسلام للمجاميع البشرية الكبيرة، إلى ايجاد تيار فكري، وقوة ناتجة من نهضة الشعب تكون العامل في استقرار النظام الإسلامي.

اللهم اقطع ايدي الظالمين عن بلاد المسلمين، واقض على الخائنين للإسلام وللبلاد الإسلامية، وايقظ قادة الدول الإسلامية من نومهم هذا، ليعملوا لأجل مصالح الشعوب، ويتخلوا عن التفرقة والسعي خلف المصالح الشخصية. ووفِّق جيل الشباب وطلاب العلوم الدينية وطلاب الجامعات للنهوض في سبيل الأهداف الإسلامية المقدسة، والعمل المشترك لأجل التخلّص من براثن الاستعمار وعملائه الخبثاء، والدفاع عن البلاد الإسلامية. ووفِّق الفقهاء والعلماء للسعي في هداية المجتمع، وتنوير أفكاره، وتوضيح الأهداف الإسلامية المقدّسة للمسلمين، وخصوصاً لجيل الشباب، والجهاد في سبيل إقامة الحكومة الإسلامية. إنك ولي التوفيق، ولا حول ولا قوة إلاّ بالله العلي العظيم.

 



تعداد بازدید:  2506




Skip Navigation Links
دستور الجمهورية الاسلامية الايرانيةدستور الجمهورية الاسلامية الايرانية
ذكرياتذكرياتExpand ذكريات
المقالاتالمقالات
سيرة الإمام الخميني (ره)سيرة الإمام الخميني (ره)Expand سيرة الإمام الخميني (ره)
كتب و مؤلفات الامام الخميني (ره)كتب و مؤلفات الامام الخميني (ره)Expand كتب و مؤلفات الامام الخميني (ره)
احاديث و خطابات الامام الخميني(ره)احاديث و خطابات الامام الخميني(ره)Expand احاديث و خطابات الامام الخميني(ره)
الوصية الإلهية السياسيةالوصية الإلهية السياسيةExpand الوصية الإلهية السياسية
اشعار حول الامام اشعار حول الامام Expand اشعار حول الامام