كم تتصور عمر هذا البرعم                 


كم تتصور عمر هذا البرعم

كنت أتمشى مع الامام احيانا, وكان سماحته يتمشى ثلاث مرات في اليوم. وكانت هذه الاوقات تشكل فرصة جيدة لرؤية الامام. وفي كل مرة كنت ارى كيف ان سماحته كان ينظر بعشق وتأمل الى ما حوله. وفي هذا الصدد أتذكر أنه وقف مرة امام احد البراعم وادار وجهه نحوي وقال: كم تتصور عمر هذا البرعم؟.. حتى تلك اللحظة لم أكن افكر بموضوع مثل هذا. فأجبت لا ادري. فقال: انا اعرف ذلك على وجه الدقة.. لا أتذكر عبارته جيدا, ولكن اتصور أنه قال: ان هذا البرعم تفتح منذ يومين ونصف اليوم.. قلت: وهل كنت ترى هذا البرعم باستمرار كل يوم؟ قال: انظر اليه كل يوم. ففي كل يوم أمر من هنا ارى كم تغيرت، وقد مرّ الان يومان ونصف اليوم من عمرها.138

الاشعار التي اقرأها انقدها

عندما كنت ألتقي الامام احيانا, كنت أقرأ لسماحته بعض الابيات التي كانت تبدو لي جميلة. على سبيل المثال كنت قد رأيتفي احدى الصحف مقطوعة شعرية بدت لي جميلة, فأخذتها وقرأتها على سماحته, ومما لفت نظري هو كيف أنه كان ينصت بكل شوق ودقة مما أسعدني كثيرا. كما أن سماحته كان ينتقد الاشعار التي كنت أقرأها لسماحته احيانا.139

كان ذواقا للغاية

حدث احيانا أن حملت باقة من زهور الياس الى الامام, اعجبت الامام فاستقبلها بابتسامة جذابة ومليحة. ومما يذكر في هذا الصدد أن الامام ذواق للغاية, اضافة الى أنه ينظم اشعارا جيدة. وكان لديه دفتر اشعار يضم قصائد جيدة سرق لدى مداهمة السافاك لمنزل الامام في قم.140

القلب حريم الكبرياء

كان المرحوم السيد واعظ زاده الخونساري, الذي كانمن العلماء الكبار والعرفاء والوعاظ المبرزين, كان يأنس بحبةالامام كثيرا. قال لي يوما: سيأتي السيى برهاني ونذهب سوية لزيارة الحاج السيد روح الله.. عندما التقى الامام قال له سماحته, انطلاقا من خلفية العلاقة الودية التي كانت بينهما: يا سيد واعظ زاده! نظرا للصداقةالتي بيننا, انتفعنا كثيرا بصحبتكم سواء من خلال البحوث العلمية او النتاجات الادبية. ما ان قال الامام هذا حتى بدأ المرحوم واعظ زاده بقراءة احدى رباعياته.

هذه نعمة الله

خرج الامام في احد الايام من المنزل في باريس. وكانت السماء ممطرة والثلوج غزيرة. وفيما كان الامام يسير في فضاء مفتوح, اقترب من سماحته أحدا فراد الشرطة الفرنسية، وكان يحمل بيده مظلة, واراد أن يقي الامام من البلل نتيجة لتساقط الثلوج, فقال له الامام: دعك من هذا, أنها نعمة الله فلا ضرورة من أن نهرب منها.142

الاعتناء بالمظهر الخارجي

كان ثوبه يفوح شذى احيانا

في تصوري ربما كانت من أبرز صفات الامام اجتناب سماحته اي شكل من أشكال الرياء والمظاهر المخادعة والتظاهر.. كان الامام يرتدي ملابس نظيفة دائما, ولا أتذكر أني رأيت ثيابه يوما متسخة ولو بمقدار نقطة صغيرة.. كان الامام يحرص على ارتداء جوراب مرتب وانتعال حذاء نظيف.. وكانت عمامته مرتبة على الدوام, وحتى أن ثوبه كان يفوح منه اريج الورد دائما.. باختصار كان يظهر في المجتمع بصورة إنسان طاهر ومنزه.143

كان مضرب المثل في النظم والنظافة

كان السيد (الامام) نظيفا للغاية, حتى أنه كان من خصوصياته البارزة نظافته الفائقة.. منذ سنوات شبابه أتذكر جيدا بأنه كان مضرب المثل بين اصدقائه في النظم والنظافة.. ففي تلك الفترة كنا نحن اطفال, وكانت الازقة ترابية مغطاة بالوحل, حتى أن عباءات جميع الطلبة كانت ملطخة دائما بالوحل. ولكن الامام كان يمشي في الزقاق بتأني وحذر لئلا تتسخ عباءته قدر الامكان. وعندما كان يدخل المنزل, كان يأتي بالعباءة ويضعها امام المدفئة حتى اذا ما جفت نقوم نحن بتنظيفها مماعلق بها من الوحل ونمسحها بقطعة من القماش.144

كان يمسح حذاءه دائما

عندما كنا في النجف, كان الامام يحرص دائما على مسح حذائه كلما اراد الذهاب الى حرم امير المؤمنين (عليه السلام). كذلك كانت هناك مرآة معلقة على الحائط في باحة المنزل, كان سماحته يقف امام المرآة ويمشط لحيته. وكان يتعطر ويخرج من المنزل.. كان الامام مقيدا حتى بالستحبات, وكان يلفت انظارنا اليها دائما.. حتى اننا كنا نأتي مرتين في اليوم الى منزل السيد (الامام). وكنا دائما نحذر من اختيار الطريق العام لئلا يرانا الامام ويعترض علينا, لماذا هذا مظهركم؟ ولماذا ثيابكم غير مرتبة؟ كنا نحص دائما على التحلي بالنظم حتى اذا ما رآنا نكون في مظهر مناسب.145

كان لديه ثياب خاصة للقاء ضيوفه

عندما كان الامام يعود من لقاء الجماهير في الحسينية الى غرفته, كان يخلع جبته وثوبه و يضعهما جانبا.. حتى وان تطلب الامر الذهاب الى الحسينية ثلاث او اربع مرات, فانه لم يكن يجلس في غرفته بالجبة والثياب التي كان يخرج بها الى الجماهير. بل يخلع الجبة والثوب ويطويها ويضعها جانبا ويغطيها بقطعة قماش ابيض ويجلس. وفي كل مرة يطلب من سماحته الاطلال’ على الجماهير المحتشدة في الحسينية, ينهض وينزع ملابسه ويرتدي الثياب الخاص باللقاء ويخرج للجماهير, حتى وان تكرر ذلك عدة مرات في اليوم.146

لم أرَ شخصا بهذه الدرجة من النظم

كان الامام يحرص على أن يكون مظهره مرتبا دائما, سواء من حيث الملبس او المظهر الخارجي. وفي هذا الجانب ينبغي للمرء حقا أن يأخذ درسا من الامام.. كان شديد الاهتمام بهذا الجانب. كما أنه كان نظيفا بدرجة لم أرَ شخصا بنظافته. فلم ار بقعة متسخة في ملابسه البيضاء مطلقا. 147

قلما هناك بنظافة الامام

كان الامام يذهب كثيرا الى الحمام, وكان يستبدل ثيابه باستمرار. وربما كان لديه جة واحدة وثياب معددة يرتديهما على الدوام, حتى أنها كانت تثير اعتراض الجميع: يا رجل الى متى تبقى ترتدي هذه الجبة؟ بيد أن نفس هذه الجبة كانت نظيفة بدرجة ربما قلما تجد شخصا بنظافة الامام في قم.148

كان ينتخب افضل العطور

كان الامام إنموذجا متكاملة في بساطة العيش والقناعة والاستفادة القصوى من الامكانات المعيشية المتوافرة. غير أنه في ذات الوقت كان الاجواء المحيطة به ومكتبه ومكان نومه وعباءته, تفوح دائما باريح العطور الفواحة. وكان حساسا للغاية بالنسبة للنظافة والطهارة واستخدام افضل العطور.. حتى أنه عندما كان اصدقاء الامام من المقربين والمعارف, يهدون الى سماحته انواع العطور المحلية والاجنبية, كان يتقبلها بكل شوق ورغبة.149

بودي أن آكل كل لقمة بملعقة

على الرغم من أن وجبة الطعام التي يتناولها الامام قليلة, ولكن ربما لا يصدق بأن لدى سماحته ثلاث او اربع معالق لتناول الطعام, وقد قال مرارا: بودي لو أتناول كل لقمة بملعقة, لان الملعقة التي تدخل الفم لا ارغب في اعادتها ثانية للفم.. وفضلا عن ذلك فان ثمة مقدمات كان يعتني بها الامام قبل تناوله الطعام. إذ كان يضع المنشفة في حضنه اولا ومن ثم يغطيها بقطعة من النايلون. كل ذلك من أجل أن لا يقع شيء من الطعام على ثيابه.. لقد كان دقيقا في مراعاة النظم والنظافة الى حد كبير. وكنا نقول لسماحته: ان الطعام الذي تتناوله ليس بالشيء الذي يذكر, غير أن مقدماته كثيرة جدا.150

أومأ للممرض ساستبدال قميصه

كنت قد زرت الامام في المستشفى في الايام الاخيرة من حياته المباركة. وكانت بقعتان صفراوان على قميصه تنه اليهما الامام فجأة فأومئ بيده للممرض مشيرا للبقع على قميصه وطلب منه استبداله على الفور.151

لم يترك الرياضة والترفيه مطلقا

ربما تعتبر هذه الخصيصة, من جملة الخصائص التي امتاز بها الامام الخميني, استثنائية ايضا. اذ أنه ومنذ مطلع شبابه, اي منذ حوالي ثمانين عاما مضت تقريبا, كان يحرص على سلامته تماما.. فما هو معروف عن علماء الدين أنهم لا يعتنون كثيرا بالرياضة ووسائل الترفيه. بيد أن الامام الخميني, او السيد روح الله الخميني, لم يكن يهمل الرياضة والترفيه منذ أن كان في خمين ولم يبلغ سن العشرين بعد, وفي قم حتى سن الخامسة والعشرين تقريبا. وذلك من اجل تقوية الجسم والروح. ولن يقتصر ذلك على الصعيد الشخصي وانما لم يكن يتحفظ من اطلاع الاخرين على ذلك ايضا.152

اجتناب المظاهر والتعارفات

تفضل إذهب

كان الامام يتجنب منذ البداية اي عمل تشوبه شائبة طلب الشهرة والمنصب والمقام.. على سبيل المثال, لم يكن يسمح بأن يسير أحد خلفه.. فاذا ما كان لدى احد الطلبة إشكالا وحاول أن يلحق بالامام ليستفسر منه, كان سماحته يتوقف عن المسير ويجيب على اشكال الطالب, ومن ثم كان يقول له: (تفضل إذهب).153

لم يكن يسير مع حاشية

كان الامام يمضي وحيدا دائما في تنقلاته وزياراته ولقاءاته. فلا يرضى أن تسير حاشية معه. وكان يستاء من السير في موكب من المرافقين والعساكر والحاشية.. وفي هذا الصدد ينقل الشيخ حسن صانعي, أن الامام كان ينوي يوما التوجه لزيارة احد العلماء, ولكنه لم يكن يعرف عنوانه. فسأل مني عن العنوان, وقد أصريت على مرافقته لأدله على العنوان, إلا أنه رفض.154

اعتاد على السير عبر الازقة

كان الطلبة يسيرون وراء الامام بعد انتهاء حلقة الدرس..وحتى لا يقال كم لديه مريدين, كان الامام يفضل المسير عبر الازقة بدلا من الشارع العام.. كنا نخرج من المسجد متوجهين الى الحرم, فكان الامام يختار السير عر الازقة, وحينها كنا نتصور بأنه ذاهب الى المنزل، إلا أننا كنا نفاجئ بسماحته امام الحرم, وقد تبين لنا بأن سماحته كان يفضل المسير عبر الازقة كي لا يتبعه الطلبة.155

هل لديك سؤال؟

حدث مرارا أن كنا نسير خلف الامام وهو في طريقه الى المنزل فكان يتوقف عن السير ويسأل: (هل لديكم سؤال؟). اي إن لم يكن لديكم سؤال فلا تتبعوني. بتعبير آخر, لم يكن يرتاح بأن يسير من خلفه عدد من المعممين.156

السادة يتفضلون يذهبوا

من خصائص الامام أنه لم يكن يرغب أن يظهر في الساحات العامة وتسير خلفه الحاشية مطلقا.. حتى أنه كان من الممكن أن يجيب عن إشكالات الطلبة في منزله.. وعندما كان يخرج من حلقة الدرس, كان يختار مسيرا خاليا وفي معظم الاحيان الازقة التي كانت تفضي الى المنزل.. فكثيرا ما كان يشاهد بعد انتهاء حلقة الدرس, أن عدة ممن يودون مرافقة الامام, كانوا يسيرون خلف سماحته, ولكنه عندما كان ينتبه الى وجودهم كان يقف يقول: (السادة يتفضلون يذهبوا).157

بساطة الامام كانت جذابة للجميع

في السنين الخوالي, ذهب الامام مرة الى مشهد بالحافلة. ومن محاسن الصدف اني كنت ذاهبا الد مشهد في نفس الحافلة.. طبعافي يومها كنت أحد الطلبية الشباب, إلا أني كنت أعرف الامام. كان سماحته بسيطا للغاية.. على سبيل المثال, عندما وصلنا الى سمنان توقفت الحافلة ونزل الركاب. فرأيتالامام تناول غداءه ثم توضأ وافترش عباءته وجلس ليستريح حتى يجهز الركاب.. تصور أن استاذا مرموقا ومجتهدا بارزا في الحوزة العلمية, يتصرف كالمسافرين الاخرين الذين كانوا من مختلف الفئات.. كان واضحا أن نشاطه انما هو من أجل الله.. بعد ذلك توقفت الحافلة في (خواجه ربيع), فرأيت الامام توجه لزيارة مرقد خواجه ربيع.. ان بساطة معيشة الامام كانت محط اعجابنا جميعا حقا.. لقد كان يتصور الجميع بأنه اذا ما اراد السيد (الامام) الذهاب الى مشهد, ينبغي أن ترافقه في حلـّه وترحاله حاشية, إلا أننا رأينا ان الامر عكس ذلك تماما.158

غير راض عن الصلوات من أجلي

في بعض السنوات كان الامام يذهب الى (محلات) في فصل الصيف.. وفي صيف عام 1325 قرر الميئ الى محلات. وفي هذه الاثناء طلب علماء الدين في المدينة, ممن كانوا على صلة وثيقة بالامام, أن يضعوا احد المساجد تحت تصرفه كي يتسنى للمؤمنين الاستفادة من وجوده. فرفض سماحته قائلا: إتركوني لحالي واهتموا بشؤونكم. وما أن مضت أيام معدودة من شهر رمضان, حتى قيل له: الان حيث رفضت إقامة (الجماعة), لتكن لسماحتك – على الاقل – جلسة يستفيد المؤمنون من وجودكم.. وبعد نقاش طويل وافق الامام على إقامة مثل هذه الجلسة.. وكانت تقام في الساعة الخامسة عصرا من ايام شهر رمضان فيمسجد وسط المدينة.. كان الامام يجلس على الارض متكئا الى احد اعمدة المسجد وكان الطلبة يلتفون من حوله.. وفي هذه الجلسات رأيت أمرين ملفتين لا أنساهم. احدهما, أنه في اليوم الاول جاء عدد من العلماء والافاضل وحضروا الجلسة.. فقال لهم الامام بعد انتهاء الجلسة: اذا ما اردتم الحضور بهذه الصورة فسوف امتنع عن إقامة الجلسة. فلابد من مراعاة مقامكم وصيانة منزلتكم الاجتماعية. الامر الاخر هو أن عرفا كان متبعا لدى طلبة العلوم الدينية بأن يطلقوا الصلوات على محمد وآل محمد اذا ماحضر احد العلماء اكراما لقدومه. وعندما كان الامام يدخل المسجد كان احدهم يبادر الى ذكر الصلوات. بعد انتهاء الجلسة الاولى استدعي الامام هذا الشخص وقال له: (هل تقصد بهذه الصلوات قدومي, ام أنها من اجل الرسول الاعظم؟ فان كنت تذكر الصلوات من اجل الرسول الكريم فحاول أن تذكرها في وقت آخر. وان كانت من أجلي لدخولي المسجد, فأنا غير راض).. وأنا أتصور ان الامام اراد أن يقول باسلوب بليغ: (ايها الاخوة المسلمون الاعزاء! انتم الذين وجدتم لانفسكم بدلة الصوف وترتدون البنطلون والجاكيته وتفخرون بحالكم وتغترون؛ هل سألتم أنفسكم ان قماش الصوف هذا من اين جاء؟ أليس هذا الصوف هو نفسه الذي كان يكسي ظهر الخروف؟ فالخروف كان لديه هذا الصوف إلا أنه لم يتفاخر به. وان نفس هذا الصوف قد تم غزله وصبغه واصبح جاكيت وبنطلون, وغيرّ حالكم فجأة!. فأي تعاسة هذه بأن نمني أنفسنا بمثل هذه الاشياء الواهية.159

لم يضيف الى امواله شيئا

كنا قد شهدنا طوال حياة الامام, بأن سماحته لم يضيف شيئا الى امواله. فكل ما كان لديه تركة متواضعها ورثها عن أبيه عبارة عن ارض مزروعة, وكان سماحته يدير حياته من عائد هذه الارض.. ان زهد الطلبة من وجهة نطر الامام, لم يكن يعني ارتداء الطلبة ثياب رثة بالية, او ان تكون مظاهر التكدي ظاهرة على ثيابه.. كان الامام يؤمن بضرورة ان يعمل الطلبة على تزكية قلوبهم, وفي الوقت نفسه لابد لهم من الاعتناء بمظهرهم المناسب, وكان يقول: لابد من احياء القلب واعماره بالمعنويات والتوجه الى الله.

لايحق لاحد الخروج معي من المدرسة

في عام 1348 شمسي, كان قد حصل عشرة آلاف زائر ايراني على تأشيرة السفر الى العراق اثناء العودة من رحلة الحج.. وإثر ذلك كانت تحتشد جموع غفيرة من الزوار الايرانيين للمشاركة في صلاة الجماعة التي كان يقيمها الامام في مدرسة البروجردي في النجف. وبعد انتهاء الصلاة كان المصلون يحاولون الخروج برفقة الامام وتوديعه بالتهليل والصلوات. بيد أن الامام, وفي كل مرة كان يريد الخروج من المدرسة, كان يوصي بأن يبلغوا الحاضرين بأنه لا يحق لاحد الخروج معي من المدرسة. لذا كان الزوار يمكثون في المدرسة حتى اذا ما ابتعد الامام يبدأون يخرجون بالتدريج.. كان سماحته يحذر الزوار الايرانيين من السير خلفه في وقت كان يواجه في العراق الوحدة وغياب النصير بشدة.161

 

منزل الامام لم يكن يختلف عن منزل افقر النجفيين

في منعطف احد أزقة النجف الضيقة حيث تكون البيوت متداخلة مع بعضا الى حد كبير بما يشكل مظلة امام انعكاس أشعة الشمس الحارقة, كان يقع المنزل المتواضع لاية الله الخميني.. كان هذا المنزل اشبه بمنزل افقر ابناء النجف. في غرف المنزل الثلاث, كان يتواجد اثنى عشر شخصا من المقربين لسماحته. وفي هذا المنزل المتواضع لم يشاهد اي مظهر من مظاهر زعماء المعارضة الذين كانوا يتواجدون في المنفى.. وقد التقينا آية الله في غرفة لاتتعدى ابعادها (2×3) مترا, وفي منزل كان يقع في اقصى ضواحي النجف.. مدينة تعتبر من الناحية الجغرافية احدى اسوأ المناطق الصحرواية في العراق. 162

أنا لا أريد سيارة

اهدى احد الايرانيين المحبين لسماحة الامام, ممن يقيمون في ألمانيا, سيارة للامام كي يستخدمها في تنقلاته واثناء زيارته لحرم الامام امير المؤمنين, وذهابه الى كربلاء لزيارة ضريح سيد الشهداء الامام الحسين. فقال الامام: أنا لست بحاجة الى سيارة، سأبيعها وأنفق ثمنها في توفير احتياجات طلبة العلوم الدينية الدينية. غير هذا الشخص حاول اقناع الامام بأنه اشترى السيارة خصيصا لسماحته, ولكن الامام لم يقتنع وبقي يصرّ على رأيه حتى استجاب الشخص لرغبة الامام.163

لا يعبأ السادة بالتعارفات

في عهد الطاغوت, وفي احدى مراحل النضال, تم نفي حوالي عشرينعالما من علماء الدين وابعادهم عن اماكن سكناهم لمدة ثلاث سنوات, وكنت أنا احد هؤلاء.. بعد انتهاء مدة النفي, عاد ثلاثة منهم الى مدينة قم وبعد فترة تحسنت اوضاعهم واستبدلوا منازلهم.. عندما علم الامام بذلك, بعث برسالة من النجف موضح: على السادة أن لا يعبأوا بالتعارفات, وان لا يشوهوا صورة السلف الصالح في انظار الناس من خلال تصرفاتهم.. فنحن نقول دائما بأن الشيخ الانصاري عندما رحل عن هذه الدنيا لم يكن لديه سوى سبعة تومانات, فلا تنشغلوا بالدنيا كي لا يسيء الناس الظن بالسلف الصالح.164

جلس على الارض بكل تواضع

آية الله الخميني رجل يخرج باشارة صغيرة منه وفي ظرف دقائق معدودة, الملايين من الايرانيين من بيوتهم وينزلوا الى الشوارع.. مع هذه الخلفية، اذا ما تسنى لك الحضور الى مكتبة والوصول الى محل إقامته, تراه جالسا على الارض بكل بساطة وتواضع وقد وضعت امامه طاولة صغيرة.. هذا كل ما في مكتب آية الله الخميني.165

الزهد الحقيقي

لقد رأيت الزهد الحقيقي رأي العين في حياة الامام وسيرته.. ففي اليوم الذي غادر النجف متوجها الى الكويت نادى سماحته على نجله أحمد قائلا: احمد! اعطني ملابسي.. وعندما فتحت حقيبة الامام لم ير فيها غير عباءة وجبّة, وثوب وسروال ومنشفة لا غير. وحينها تنبهت الى ان هذا المرجع الديني الكبير والزعيم السياسي الفذ, ورغم المبالغ الضخمة التي كانت تصله ويوزعها على طلبة العلوم الدينية في ايران والعراق, ليس لديه من متاع الدنيا غير هذه الاشياء البسيطة.. ولا يخفى أن هذا يعطي درسا كبيرا لارباب العلم والاخلاق وكبارالمسؤولين, لافتا الانظار الى ان الامام انطلق من هذه الخصال في محاربة الكفر والاستكبار العالمي, واستطاع ان يحقق الانتصار تلو الانتصار.166

هل كوروش يريد دخول ايران؟

اتصل الشيهد المظلوم السيد بهشتي موضحا بأنه قد تم اعداد المقدمات اللازمة لاستقبال الامام لدى عودته الى طهران, منها:

1-تنظيم استقبال عظيم وحاشد. وسيتم فرش مطار مهرآباد بالسجاد.

2-وضع مظاهر الابتهاج والزينة في مختلف انحاء المدينة.

3-تقوم المروحية بنقل الامام الى (جنة الزهراء), لانه ليس بوسع السيارة التي تقل الامام اختراق صفوف الجماهير المحتشدة مما يشكل خطورة على حياة الامام.

عندما أخبرنا الامام بذلك, قال: اذهب واتصل بايران وقل للسادة: هل كوروش يريد دخول ايران؟ ان طالبا من طلبة العلوم الدينية كان قد خرج من ايران وها هو الان يريد العودة اليها.. أنا لن اذهب الى (جنة الزهراء) بالمروحية.

لقد تم اطلاع السادة في ايران على ذلك. غير ان الشيهد بهشتي كان قلقا من أن شدة الزحمة من الممكن أن تلحق – لا سمح الله – أذى بالامام.. فأخبرنا الامام بذلك, فقال: (ينبغي لي السير كبقية الناس حتى وإن ادى ذلك الى سحقي تحت الاقدام..).167

كان ينظف غرفته بنفسه

منذ ان وصل الامام الى باريس, كان يتولى تنظيف غرفته بنفسه, ومهما حاول البعض اقناع سماحته بالسماح للاخرين بذلك, إلا أنه لم يقتنع. ومثلما اعتاد عليه, اتسمت اقامة سماحتهفي نوفل لوشاتو بالبساطة والتواضع.. وفيما كان مراسلو اكثر الصحف العالمية انتشارا يتنافسون على اجراء مقابلة مع سماحته, وكانت صور الامام تتصدر الصفحات الاولى من الصحافة العالمي, بقي سماحته حريصا على اسلوب حياته بعيدا عن المظاهر والتعارفات.168

سحرتنا بساطة الامام

ان بساطة حياة الامام استحوذت على اهتمامنا اكثر من اي أمر آخر. فالامام كان يقيم في منزل متواضع في باريس مكون من غرفتين اخصصت احداهما لنومه, والاخرى لعمله ولقاءاته. فلم يكن هناك سجاد او أثاث ثمين. كما أن طعام سماحته كان بسيطا للغاية إذ أنه لم يكن يزيد على الرز واللبن، كذلك الخيمة التي كان يصلي فيها, كانت خيمة بسيطة للغاية ايضا.169

الموبيليا الوحيدة في المنزل هي طاولة صغيرة

عندما ينتهيعمل الامام الخميني في المدرسة الفيضية, ولم يكن لديه برنامج لاستقبال الضيوف, كان يذهب الى منزله – الذي يعود الى احد اقاربه – الواقع في زقاق (يخجال قاضي) والذي يحمل رقم 61, وهو منزل قديم مكون من دور واحد تم بناؤه ربما قبل مائة مضت.. يقع المنزل في زقاق ضيق في مركز مدينة قم, ويضم باحة وحوض, وقد تسلقت سيقان اشجار الكروم جدرانه بشكل معقد.. قطعة الموبيليا الوحيدة الملفتة في منزل الامام هي طاولة خشبية يستعين بها منذ سنوات.170

هل يأتي سماحته بهذه البساطة؟

إبان انتصارالثورة, جاءت صحفية بريطانية الى قم, ولاني أعرفها منذ أن كنت في لندن, لذا طلبت مني أن أرتب لها مقابلة مع الامام. وبناء على ذلك تحدثت مع المرحوم السيد اشراقي هاتفيا موضحا بأن لدى هذه السيدة البريطانية اسئلة كثيرة تتمنى ان تحصل على اجابات عنها من قبل الامام.. فأعتذر. وفي احدى الليالي جاء الامام الى منزلنا, ومن محاسن الصدف أن الصحافية كانت هناك. وبذلك حصلت على ما كانت تريد. وبعد ذلك اعربت عن دهشتها قائلة: ياللعجب! كيف يتسنى للامام أن يأتي الى هنا بهذه البساط.. فأجبتها: اجل, ان الامام يأتي الى منازل الطلبة بكل سهولة.. قالت: الرجل الذي فجر هذه الثورة وكان وراء كل هذه الاحداث, يأتي الى هذا المكان بكل تواضع وبعيدا عن التعارفات؟ ولانه سبق لها أن شاهدت عن كثب كيف تحاط المراسيم الملكية بالتعارفات, لذا أحبت الامام حبا كبيرا.171

نذهب بالسيارة ذاتها

عندما كان الامام يقيم في قم، كان يقوم في الكثير من الاحيان بتفقد منازل الشهداء وافاضل الحوزة العلمية. وفي احدى الليالي اراد ان يذهب الى منزل احد الروحانيين, وكان المنزل يقع في احد الازقة التي لا تسيطيع أن تدخلها السيارة الاعتيادية. لذا حاولنا التعرف على اوضاع الزقاق مسبقا واقتنعنا بأن سيارة (جيان) الصغيرة وحدها التي بوسعها دخول الزقاق. فاحضرنا السيارة وانطلقنا مع الامام.. واثناء العودة قررنا ان نستخدم سيارة (جيان) حتى نهاية الزقاق ومن ثم نقل الامام الى سيارة اكثر مريحة. فأحضر احد الاصدقاء سيارة (بيكان) في الشارع العام نهاية الزقاق. وقيل للامام تفضل اركب سيارة أخرى اكثر مريحية في هذا الطقس الحار. فقال الامام: لماذا؟

فهذه السيارة تسير ولاتوجه اية مشكلة لذا يستحسن أن نعود بنفس السيارة.172

بمستوى معيشة فقراء المجتمع

ان مستوى معيشة الامام, من حيث الاسكان والطعام والوسائل الشخصية والشؤون الاخرى, كان حتى دون مستوى معيشة ابناء الطبقة الثالثة من المجتمع. وعلى الرغم من المكانة التي كان يتمتع بها سماحته كزعيم للمعارضة وشخصية سياسية عالمية, إلا انه لم يكن مستعدا لاتخاذ اي خطوة على مستوى تحسين اوضاعه المعيشية الشخصية. وفي كثير من الاوقات كان ينتابنا قلقا ازاء تأمين مسلزمات معيشية, خشية اعتراض سماحته على الاسعار المرتفعة للسلع التي نقوم بشرائها لسماحته, ويلومنا على ذلك. فكثيرا ما حدث أن استجوبنا الامام بالنسبة لبعض الامور منها محاولة طلاء المنزل, وارتفاع استهلاك الماء والكهرباء, والاستخدام غير المناسب لوسائل المنزل.173

لا تهتموا بمظاهر الزينة

رغم ان حسينية جماران ليست لها اية علاقة شخصية بالامام, وان اي تحديث لها يصب في النهاية باسم الامام الحسين (ع), إلا أن الامام لم يكن يسمح باجراء اي ترميم او مظاهر الزينة من اجل اضفاء جمالية عليها. حتى أن السيد امام جماراني, اراد اجراء بعض الترميمات وتجديد طلائها, فقال له الامام: اذا أردت ان أبقى هنا, فلا تحاول تزينها. وفي احد ا لايام تنبه الامام الى أنهم يريدون ان يكسوها بالمزائيك, غضب وقال: سأترك هذا المكان. وهكذا بقيت الحسينية على ما هي عليها حتى النهاية.174

هذه البيوت كانت مستأجرة

مساحة مكتب الامام لم تكن تتجاوز اربعة امتا مربعة. ففي هذا المكتب كانت تتم جميع اللقاءات المحلية والخارجية, وكان رؤساء الجمهورية وكبار المسؤولين يأتون الى هنا للقاء سماحته. وبذلك كان قد برهن الامام عمليا على تواضعه وبساطة معيشته. وكما هو واضح ان هذه البيوت كان قدتم استئجارها طوال الفترة التي كان يقيم فيها الامام, وكان سماحته يسدد بدل الايجار اول بأول.175

ثوبان وسروالان

لم يكن لدى الامام الخميني اكثر من ثوبين وسروالين. وكانت السيدة – قرينته – تقول: ليس لديه غير هذين الثوبين. ولكنه كان نظيفا ومرتبا على الدوام. وكان يستبدلهما بين يوم وآخر.167

ثياب بسيطة ولكنها نظيفة ومرتبة

كانت ممتلكات الاخمام في الدنيا عبارة عن نظارة وجهاز راديو صغير, وحقيبة ملابس وعدة كتب.. في الحقيبة كانت حياة الامام تدار في غاية التقشف والقناعة, في ذات الوقت الذي كان النظم والانضباط حاكما عليها بمختلف جوانبها, وكانت مراعاة الشؤون الصحية والنظافة تعد من الجوانب الرئيسية. ففي الوقت الذي كانت ملابس سماحته تتسم بالبساطة. إلا انها كانت نظيفة ومرتبة.. كان الامام في جميع اعماله إنموذجا, وكان ثمة انسجام متكامل بين اقواله وافعاله.177

كان إنسانا عجيبا

جاء البروفسور الالماني مل – اخصائي العظام – الى ايران بعد رحيل الامام الخميني (قدس سره). وكنت قد ذهبت عنده بسبب ما كنت اعاني منه من آلام المفاصل..وبعد الفحوصات التي اجراها, ولما علم بقربي من الامام أحب أن نجلس ونتحدث قليلا. كان محور حديثه الامام الخميني, وكان البروفسور الالماني مبهورا ومنذهلا ازاء تواضع منزل الامام ومقر إقامته. كان يسأل: هل ان المسؤولين الاخرين يعيشون بهذه البساطة ايضا؟ وقد أجبت: طبعا ليست بهذه البساطة, لان الامام الخميني استثناء. وبالمقابل اخذ يثني على الامام, وكان يقول: ياله من إنسان عجيب. لقد هزّ الدنيا وزلزلها ببساطة عيشه هذه.. وكان يعرب عن حزنه وأسفه موضحا: ليتني تمكنت من لقاء الامام في حياته.178

اتركوا المكان على بساطته

أتذكر ان اثنين من القساوسة الفرنسيين جاءا الى جماران في مراسيم اربعينية وفاة الامام الخمين. وقد دهشوا كثيرا وذهلوا عندما رأوا حسينية جماران المتواضعة المكان الذي كان الامام يستقبل فيه ضيوفه ويفلتقي محبيه وقد طلبا القسيسين الفرنسيين مني قائلين: اتركوا هذا المكان بالبساطة التي هو عليه, ليرى العالم المكان الذي كان يعيش فيه الرجل الروحاني رغم ما كان يتمتع به من مقام ومنزلة, وكيف هو مكان استقباله لضيوفه.179

الاخلاص والتقوى

لا يُذكر إسمي

ألف الامام كتابا عنوانه (كشف الاسرار). جاء الكتاب ردّا على كتبه احد ابناء العلماء – للأسف – اسمه (اسرار الألف عام), سخر فيه مؤلفه من عقائد الشيعة, وتهجم فيه على علماء الدين ومبدأ الامامة الى غير ذلك.. وبدافع الذود عن حريم الاسلام, اوقف على هذا الكتاب.. وحسبما علمت أن الامام اوقف نشاطه الحوزوي نحو اربعين يوما كاملة, كي يتسنى له التفرغ لتأليف كتابه (كشف الاسرار).. وكي لا يتبادر الى الاذهانان الامام يهدف من وراء ذلك لفت الانظار اليه, فقد صدرت الطبعة الاولى والثانية من الكتاب دون أن يرد اي ذكر لمؤلفه الامام العظيم, وقد تم الاكتفاء بالاشارة الى أنه يأتي للرد على كتاب (اسرار هزار ساله).. ولاشك ان اصرار الامام على عدم وضع اسمه على الكتاب, تشير الى نواياها الصادقة من وراء نشر هذا الكتاب.180

عطل حلقة درسه

في اجد الايام واثناء مسيره الى المدرسة الفيضية تنبه الامام الى تجمع بعض الطلبة والضجة المثارة حول كتاب (اسرار الألف عام). وبعد اقتناء الكتاب والاطلاع على موضوعاته, عطل الامام دروسه الحوزوية وتفرغ على مدى شهرين تقريبا لتأليف كتاب (كشف الاسرار) يرد فيه على الكتاب آنف الذكر. وللبرهنة على أنه جهدا خالصا لوجه الله رفض سماحته أن يذكر اسم مؤلفه.181

لماذا لا ينبغي المشاركة في صلاتهكان احد ائمة الجماعة في قم يعارض توجهات الامام ازاء بعض القضايا السياسية واحيانا المسائل الفلسفية. بيد أن الامام كان يذهب بين فترة واخرى للمشاركة في صلاة الجماعة التي كان يقيمها. وكان يفعل ذلك من دون اي قصد. وكان سماحته يقول: (ان نمط تفكير فلان لا يتفق مع افكاري. واذا ما ان مخطئا, فأنا لن أخطأ في تصرفي, لذا لماذا لا ينبغي لي عدم المشاركة في صلاته؟).182

لا أستطيع عقد نية القربى

جاءت مرة احد الخطباء والوعاظ المعروفين في همدان, الى قم واقام في منزل شقيقه الذي كان من تلامذة الامام. فقلنا أنا والمرحوم الشهيد شاه آبادي, للامام: جاء فلان من همدان, وأنه رجل طيب ومجاهد وكانت له مواقف مشرفة اثناء مرحلة النضال, ولعل من المناسب التوجه لزيارته.. فأجاب الامام: (ان وضعي الصحي لا يسمح بذلك).. فحاول المرحوم شاه آبادي أن يلفت نظر الامام الى أن شقيق هذا الرجل احد تلامذة سماحتكم, وانه يكن مشاعر طيبة تجاهكم ومن المخلصين لكم وقد عاني كثيرا خلال مرحلة النضال, ولعل كل ذلك يشفع له بأن تذعب لزيارته.. غير ا، الامام كرر ما قاله: (ان وضعي الصحي لا يسمح بذلك وان حرارة جسدي مرتفعة. ولكن على اية حال ليس ارتفاع الحرارة الد الحد الذي لا استطيع الذهاب الى منزل السيد وزيارة ذل الرجل. غير أ،ه لا استطيع أن انوي قصد القرب بعد هذا الذي ذكرته من أن الرجل فعل كذا وكذا ويحمل مشاعر خاصة تجاهكم وأنه من المخلصين لكم.. ولذلك لن اذهب.)183

كنا نراقبه عى مدى ثلاثين عاما

ثمة وسواس عجيب سائد بين طلبة العلوم الدينية ازاء العلماء فيما يتعلق بسيرتهم العلمية والاخلاقية, خاصة إذا ما كان احدهم يتطلع الى المرجعية. بيد أننا مهما أمعنا النظر في سيرة الامام وسلوكه ومواقفه على مدى ثلاثين عاما, لم نر في سيرته ومواقفه غير الدافغ الالهي والتوجه الرباني.184

 

النفس هي التي تدعو

عندما كنا في النجف كنت اسمع عتابا من البعض لان الامام لم يكن يتعامل بحماس معهم. وأنا نقلت الموضوع الى المرحوم السيد مصطفى لان يطلب من الامام ان يتعامل بحماس اكبر مع هؤلاء الاشخاص. فأخبرني فيما بعد بأن طرح الموضوع على الامام فقال سماحته: (ان هذا من دسائس الشيطان وما يسوله

للمرء. اي في الحقيقة اننفسي هي التي تدعوني للتعامل بحرارة اكبر مع الافراد كي يزداد عدد المحبين لي, غير ان الامر يشتبه عليّ اذ يوحي لي الشيطان بأن هذا من اجل الله ومن اجل الاسلام. لذا لا استطيع أن افعل ذلك.)185

أتي الان واصبح مشركا؟

كان البعض في النجف يعتب على الامام, لماذا لا يتعامل بحماس كبير مع اصدقائه؟ على سبيل المثال, عندما يلتقي اثنان من الايات في الحوزة العلمية يتبادولن التحايا بحماس وحرارة, ويمجد احدهما الاخر. فان الامام يرد على ذلك بالقول: (لقد بذلت كل ما في وسعي طوال اربعين عاما كي اصبح موحدا, والان آتي لأصبح مشركا واسجد لكم ولبقية السادة؟!.)186

الحرص على تقوية روحية الاخلاص

كان نهج الامام متباينا عن الاخرين. وكان اسلوب الاخرين يتلخص في إيلاء الاشخاص الاكثر قربا منهم اهتماما اكبر. بيد أن الامر بالنسبة للامام مختلف, فكلما كان الشخص أقرب من سماحته كان اهتمامه به أقل. على سبيل المثال اذا ما دخل احد الطلبة مجلسا ما كان الامام يبدي له احتراما كبيرا. ولكن عندما يأتي نجله – مثلا – او احد التلامذة المقربين من سماحته, فلم يكن يتصرف بنحو يشعرنا بأننا الاكثر قربا منه, وكان يحرص سماحته على أن يوجد لتدينا روحية الاخلاص.187

بماذا سنجيب رسول الله؟

عندما كنا في النجف كان البعض يحرص على مراعاة سلسلة مراتب مراجع الشيعة الكبار, وبهذه الذريعة كان يتجاهل منزلة الامام ومكانته الاجتماعية. وكان هذا الامر يؤلم الكثير من تلامذة الامام. وفي ضوء ذلك اتفقت مع عدد من الاصدقاء بمصارحة الامام بذلك. ونظرا لا عُرف عني من وضوح وصرحة, تطوعت لمفاتحة الامام, فقلت: لا يخفى أن كل بيئة لديها عاداتها وتقاليدها. ويبدو ان مراعاة العادات لا يترتب عليه إشكالشرعي, ولاشك في المكانة العلمية والاجتماعية التي يتمتع بها سماحتكم موضع اهتمام عامة المسلمين, ولابد من صيانتها خدمة للاسلام. بيد أن السادة وانطلاقا مما اعتادوا عليه, يحاولون تجاهل هذه المكانة. او انتهاك 0 لا سمح الله – حرمة سماحتكم وفق تصورهم. لذا نرجوا من سماحتكم, وانطلاقا من الاعراف والتقاليد السائدة في هذا المجتمع, أن يكون لكم موقف بهذا الشأن.. وما أن انتهيت من كلامي حتى بادر الامام الى نقل حكاية شعرنا بعدها بالحقارة امام العظمة الروحية التيكان يتمتع بها سماحته. إذ قال الامام: (في الماضي حيث لم تكن الكهرباء, وكانت الازقة مظلمة, كان احدهم في طريقه الى مكان ما. وحسب العادة كان يسير امام احد الاشخاص حاملا الفانوس بيده. ومن محاسن الصدف أنه كان متجها الى مجلس كان يقصده سيدا آخر. وفي الطريق التقى الاثنان. فإبتعد هذا السيد مسافة عن الاخر كي يتضح بأن لديه تشكيلات خاصة به ولديه شخص يحمل الفانوس, محاولا لفت الانظار اليه). وبعد الانتهاء من نقل الحكاية, قال ا لامام: (اذا ما دعينا يوم القيامة للوقوف في محضر رسول الله (ص) وسأل منا عن هذه الامور, فهل اعدّ السادة جوابا كون هذا في المقدمة وذلك في المؤخرة؟ وهذا في الطليعة وذلك في الخلف؟ اذا ما سُئل منا عن هذه المعايير والاعتبارات التي يهتم بها السادة في محضر الرسول الاعظم ونحن نقف امامه, فهل لدينا ما نجيب به؟ ثم قال: (حاولوا التقييد بما اعتاد عليه هؤلاء.)188

لابد من حذف هذه الالقاب

عندما تمت طباعة كتاب (تحرير الوسيلة) في النجف الاشرف, وضعت في الغلاف الخلفي للكتاب, وفقا للعرف الذي كان سائدا في النجف, الالقاب من قبيل آية الله العظمى وزعيم الحوزات العلمية, وعبارات من هذا القبيل. وكان ذلك امرا معتادا, وقد اقدمت عليه المطبعة والمتصدون لطباعة الكتاب. ولكن عندما تنبه الامام الى ذلك, منع توزيع الكتاب قائلا: لابد من حذف هذه الالقاب. وكان مصرا على ذلك, مما اضطر المسؤولون عن الطباعة للعمل على تغطية الالقاب بنحو ما كي لا يتسنى قراءتها.189

لا يوجد عندنا المال كي اعطيه قرضا

في العراق عندما طرح موضوع زواجي, لم يكن وضعي المالي جيدا. كما أن ارتباطي بايران لم يكن على مايرام. وعليه قلت للسيد رضوان: حاول أن تحصل لي على مبلغ خمسمائة دينار – مايعادل عشرة آلاف تومان وقتئذ – كقرض من الامام.. فطرح السيد رضواني الموضوع على الامام, فقال له: (استطيع أن اعطيه المبلغ كقرض على مدى شهرين, على ان تتسلم منه القسط في بداية كل شهر).. فأخذت المبلغ وبدأت باعداد مقدمات الزواج. وعندما حان موعد التسديد بعث لي السيد رضواني يخبرني بأن السيد (الامام) يقول: (قل لفلان أن الشهرين قاربا على الانتهاء, ولا توجد لديه اموال, فلابد له من تسديد القرض الذي عليه.).. وكان الامر بالنسبة لي عجيبا حقا.. فاذا ما كان الامر يتعلق بشخص آخر غير الامام, وان شخصا مثلي انجز له كل هذه الاعمال, كان سيسامح معه بعض الشيء. بيد أن الامام كان صادقا معنا ومع نفسه. ولهذا اضطررت الى تسديد القرض في الموعد المحدد.190

الاسلام هو المعيار

من السمات الاخلاقية الفذة التي كان يتمتع بها الامام الخميني, هي ان معيار حبه وبغضه للاشخصاص يكمن في التقوى وخدمة الاسلام.. حتى حبه لابنائه وافراد اسرته كان يتم بناء على هذا الامعيار ايضا.191

وجه غارق في الدموع

عندما كان الامام يذهب لزيارة الامام امير المؤمنين في النجف, او مرقد الامامين موسى الكاظم ومحمدالجواد, لم يكن يقرأكل الادعية داخل الحرم مثلما كان يفعل البعض كي يرى الناس ذلك. فعلى سبيل المثال كان سماحته يتوجه الى الحرم العلوي في ليالي الجمع للزيارة, وكان يقرأ دعاء كميل في المنزل بعد عودته من الزيارة. او أنه كان يدخل غرفته بعد عودته من المسجد, ويغلق ورائه الباب من الداخل, ويطفأ مصباح الغرفة لبعض الوقت ويتفرغ لعباداته الخاصة.

في احدى المرات وحيث كنت عائدا من المسجد برفقة السيد (الامام), فجأة شعرت باختفاء الامام, وكان باب غرفته مغلقا بنحو مما دفعني للتصور بأن سماحته خرج من المنزل.. فقلت للخادم: (لقدجئنا معا للتو من المسجد فأين ذهب السيد؟). قال: صعد السلم ودخل غرفته. قلت: غير موجود في الغرفة, المصباح طاقي والباب مغلق.. وفي هذه الاثناء جاء آية الله التبريزي للقاء الامام, فرأيت الخادم يقول ثانية: السيد في غرفته. وفيما أنا اقول بصوت مرتفع: قسما بالله غير موجود, الغرفة مظلمة والباب مغلق.. فاذا بصوت السيد (الامام) يرتفع من داخل غرفته قائلا: (ياسيد فرقاني لا تصرخ, أنا موجود هنا). ثم نهض وفتح قفل الباب من الداخل. قلت: سيدي! لماذا انت جالس في الظلمة؟. وما ان اضأت المصباح, حيث كان مفتاح الكهرباء قرب الباب, فاذا بي ارى الامام ساجدا. فقال: (ماذاتريد؟).. كان الامام منهمكا في قراءة الاذكار التي لم أكن اعرف ما هي, وعندما رفع رأسه من السجود رأيتوجهه غارقا في الدموع وقد ابتلت التربة بالدموع ايضا.192

كتب بيد الاقل الفاني

أخذ احد تلامذة الامام على عاتقه مهمة طباعة كتاب (المكاسب المحرمة). وكانالامام قد امتنع عن ذكر اسمه لدى الانتهاء من تأليف الكتاب، فقلت لمساحته: ايها السيد! الرجاء أن تشيروا الى اسم مؤلف هذا الكتاب. فقال (كلا, ليس المهم اسم وانما موضوعات الكتاب).. ومهما حاولت اقناع سماحته إلا انه رفض. واخيرا قال: (لاحاجة لذلك, إن رغبت فليطبع بهذه الصورة وإلا فلا). فاضطررت للجوء الى حيلة شرعية قائلا: أيها السيد! على الاقل إذكر إسمك على الكتاب حتى اذا ما أشكل البعض على موضعاته, يعرفون على مَنْ يشكلون ومَنْ صاحب هذه الآراء.. فقال سماحته: (حسنا, اذا كان الامر كذلك, فا مانع من ذكر اسمي). فتم تدوين هذه العبارة: كتب هذا بيد الفاني روح الله الموسوي الخميني).193

قولوا بأنه لم يشرك بعد!

كان الامام يتلقى اخبار النجف عن طريقة فريق من الطلبة القريبين من سماحته. حيث كان هذا الفريق يقوم بجمع الاخبار ويضعها تحت تصرف الامام دون أدنى تصرف. وفي هذا الخصوص كان يتم اطلاع الامام على كافة التفاصيل مهما كانت هامشية. فعلى سبيل المثال نقلنا لسماحته ما كان يقوله احدهم: ان عمامتك صغيرة ولحيتك قصيرة, ولا يتعني بزي المرجعية..فرد سماحته: قولوا له بأن السيد لم يشرك بعد.194

ليست سوى هدية قد مَنّ بها الله

عندما وصل خبر استشهاد الحاج السيد مصطفى, اخذ الجميع يفكر بكيفية ابلاغ الامام واطلاعه على حقيقة ما جرى. ولان وقع الخبر كان مؤلما على الجميع, فلم يكن يجرؤ احد على اخبار الامام بما حصل.. احمد آغا, الذي خيم عليه الاضطراب, بقي متسمرا وراء النافذة يتطلع الى الامام.. كان الامام جالسا في غرفته فتنبه الى الاجواء غير الطبيعية.. نادى احمد آغا فحضر, قال الامام: (ما الذي حدث؟). فلم يتمالك احمد آغا نفسه وأجهش بالبكاء.. طبعا كانمن الصعب  أن تتمالك اعصابك. بيد أن الامام ورغم ما عُرف عن صلابته, راح يردد ثلاث مرات قائلا: (آنا لله وإنا اليه راجعون.. لم تكن غير هدية مّنّ بها الله تعالى علينا وقد استرجعها اليوم..انهضوا واعدوا مقدمات التشييع وانظروا الى اين ينبغي لنا أخذه واين يجب دفنه؟).195

لا يوجد فرق بين داخل المنزل وخارجه

لعل الاهم من كل شيء هو صدق الامام واخلاصه.. فما هو معلوم ان سيرة الامام وتصرفه داخل المنزل هي ذاتها الصورة التي يظهر بها في المجالس العامة وبين المقربين من سماحته.. وان ما يتحدث به بين اواساط الناس, يعتمده في المنزل ايضا. فليس هناك ادنى اختلاف بين خلوته وجلوته, وظاهره وباطنه. وبطبيعة الحال أن ساحته في المنزل يداعب الاطفال ويلعب معهم.196

 

الدقة في تطابق الاقوال والافعال

ينقل أخي الحاج السيد رضا ثقفي: في احد الايام اعطاني الامام رسالة وطلب مني أن اسلمها الى مسؤول قسم الاخبار في مؤسسة الاذاعة والتلفزيون لإذاعتها.. وماأن عدت ناداني سماحته وقال: إذهب وهالت الرسالةعلى وجه السرعة.. ولما جئت بالرسالة غيّر كلمة فيها وقال: خذها الان وسلمها الى قسم الاخبار.. عندما عدت قلت للامام: ما الإشكال الذي كان في الرسالة؟ قال: كنت قد كتبت (أني ادعو لافراد قوات التعبئة – البسيجيين – بغاية همتي وعزتي) ثم انتبهت الى أن هذا غير صحيح, فاستبدلتها بعبارة (اني ادعو للبسيجيين بمعظم همتي وعزمي).197

إقامة الصلاة في حدود اداء الواجب

إن إقامة الامام لصلاة الجماعة في شهر رمضان المبارك قبل الافطار في حسينية جماران ومع حضور المسؤولين, التي تم عبر التلفزيون مرارا, والتي اقتصرت على الواجب من الصلاة, كانت خير دليل على مدى مقت الامام للرياء.198

الاخلاق الحسنة والقيم الاخلاقية

اجتناب الذنوب منذ مطلع شبابه

كان الامام مواظبا منذ مطلع شبابه على اجتناب الغيبة. حتى أننا – نحن تلامذته – عندما كنا نجلس في محضره, لم نكن نجرؤ على التحدث عن احد, لانه كان سيردعنا عن الكلام بنظراته الحادة.. كان سماحته يتسم بوقار خاص بهذا الشأن... كان الامام مواظبا على عدة امور منها: صلاة الجماعة في وقتها, والتهجد, وعدم الاغتياب, حتى في مطلع شبابه حيث لم يتزوج بعد. وفي هذا الصدد يذكر اصدقاء الامام, بأنه كان يجتنب حتى الذنوب البسيطة.199

لم يكن يجلس في مجلس يغتاب فيه احد

يتفق الجميع بأن الامام لم يكن مستعدا منذ مطلع شبابه, الجلوس في مجلس يغتاب فيه أحد, او يروج للكذب والغيبة بشدة, وكانإما أن يمتنع عن حضور مجالس الغيبة منذ البداي, او أنه يبادر الى قطع الحديث الذي تشوبه شائبة الغيبة على الفور.200

اما الاغتياب, فمستحيل

أقول من باب الدقة, أن الامام كان حساسا للغاية وحذرا لئلا تثار الشبهه – لا سمح الله – حول أدنى شؤونه الشرعية. فليس بوسع أحد أن يزعم بأنه رأى الامام يوما في مجالس الغيبة ناهيك عن سماعه وهو يغتاب أحد, والعياذ بالله.201

كرامة النفس في التعامل مع المعارض

عندما كنت في مدرسة دار الشفاء, كانت حجرتي الى جوار حجرة الامام, وكان احد العلماء يأتي من المدرسة الفيضية الد مدرسة دار الشفاء ويتوقف عند حجرتي ولا يذهب أبعد منها.. حتى أنه لم يكن مستعدا لرؤية الامام ولا حتى حجرته, لانه كان مخالف للعرفان والفلسفة بشدة, وكان يرفض افكار الامام.. عندما ذكت للامام بأن فلان لديه مثل هذه النظرة تجاه سماحتكم, واحيانا يتحدث ضدكم, قال: (فيما يتعلف بي, فأنا أسامحه, وآمل ان يكون اغتيابه لي سببا في أن يعفو الله عن ذنوبي, واسأل الله ان يهديه.202

لم أسمع حتى شبهة الغيبة

ثلاثون عاما كنت برفقة استاذي الكبير قائد الثورة المعظم سماحة الامام الخميني. واشهد الله تعالى بأني لم أرَمن سماحته طوال هذه الفترة حتى ما يمكن أن يثار حول شبهه الغيبة.. ليس لم أراه يغتاب احد فقط, وانما لم أرَ حتى ما يشتبه بأنه غيبة.. ولا أنسى كيف أن سماحته حاء يوما الى مسجد (سلماسي) لإلقاء درسه وكانت انفاسه تتقطع قائلا: (والله لم ينتابني الخوف يوما مثلما انتابني اليوم). واضاف: (لم آتِ لإلقاء الدرس, وانما جئت لأقول لكم هذا).. أنا الذي كنت احضر درس سماحته طوال خمسة عشر عاما, لم أرَ  يوما أن سماحته تطاول على احد الطلبة.. ومضى سماحته يقول: (إن لم يكن لديك علما, ولم يكن لديك عقلا.. إن لم يكن لك دين, كن عاقلا ولا تدع أن يساء الى هويتك الانسانية).. ثم عاد الامام الى المنزل واصيب ثانية بمرض (الحمى المالطية) وبقي راقدا في المنزل ثلاثة أيام بسبب الحمى المالطية. كل ذلك لانه كان قد سمع اهدهم يغتاب احد ا لمراجع.. لم يكن الامام الذي احدا, وانما احدهم اغتاب أحد المراجع وتلكم من ورائه, ومع ذلك كانت أنفاس الامام تتقطع.203

لم يجرؤ احد على الغيبة حتى كنايةكان الامام معروفا بسعة الصدر. وحيث كنت في خدمته صباح مساء على مدى سنوات طويلة, لم أرَ – ولو مرة واحدة – بأنه غضب بوجه احد او عبر عن استيائه وامتعاضه لاحد.. ومع كل ذلك لم يكن يجرؤ احد على اغتياب شخص او الاساءة اليه حتى ولو كناية, في حضور الامام.204

تجنب المجالس المشبوهة

كان الامام فريدا حقا في جدّه ومثابرته. وحسبما أتذكر, ووفقا لما علمته من رفقاء الامام في مرحلة الشباب والدراسة, أن سماحته لم يمض وقته مطلقا بالبطالة واحاديث الطلبة ومجالسهم المتعارفة التي لم تكن تخلو – في العادة – من الغيبة وايذاء المؤمنوالضحك الصاخب الذي يقود الى اماتت القلب والابتعاد عن الله. بل أنه اذا ما اضطر احيانا للتواجد في مثل هذه المجالس, إما أنه كان يحول دون بروز احاديث تنتابها شبه الغيبة وايذاء المؤمن الى غير ذلك ويتصدى لها بحزم, أو انه كان يخرج من هذه الجلسة على الفور.205

كان الاسلام حاكما على قلبه

للتعرف على سيرة الامام في شبابه, حاولت استطلاع انطباع عدد ممن رافقوا الامام في مرحلة الشباب, وكان الجميع متفقين على أنه لم يصدر عن الامام مجرد زلة حتى في مرحلة ثورة الشباب.. على سبيل المثال, حتى في ا لمجالس الودية التي كانوا يقيمونها ويتبادلون فيها المزاح. اذا ما ذكرت عبارة بين ثنايا المزاح تفيد الاستغابة, كان الامام يغضب على الفور, وكان ينبههم الى أن الغيبة حرام وامر مرفوض.. كان الاسلام حاكما على قلب الامام الى حد كبير.206

لديه اخلاق فريدة

كان الامام إنموذجا فريدا من الناحية الاخلاقية.. ومن المعلوم أن الامام كان قد حضر مع المرحوم الزنجاني حلقات دروس المدرسة الفيضية اكثر من خمسة وعشرين عاما, غير أنه كان يحرص في السير خلفه دائما. حتى أنه لم ير تقدم على سماحته ولو مرة واحدة.207

لم يكن بصدد المحراب والمسجد

في فترة ما كانت من السمات الشخصية لاحد المجتهدين او مراجع الدين, إقامة صلاة الجماعة في مسجد كبير معروف, او بالقرب من الصحن الشريف, وان يأتم به عدد كبير من المصلين.. غير ان الامام الذي كان يقيم حلقة درسه في مسجد (سلماسي) القريب من زقاق (يخجال قاضي), وكانت هذه الحلقة تضم مجموعة من اكثر الطلبة والافاضل حبا للدرس والبحث, لم تكن إمامة الامام للجماعه تنشد المحراب والمسجد مطلقا. وان اشخاصا معدودين ممن كانوا يرافقون سماحته بعد الغروب الى منزله المتواضع, وحدهم الذين كانوا يقفون لإقامة الصلاة جماعة مع الامام.208

اذا ما كان جدال إلتزم الصمت

كان الامام حريصا على البحث والدقة في مناقشاته العلمية, وكان يتدارس الموضوعات بدقة متناهية ويجيب على الاشكالات.. بيد انه كان يلتزم الصمت في جلسات المناقشالت التي تتسم بالسجال واستعراض القدرات العلمية.. فاذا ما سئل أجاب, وإلا جلس ساكتا يستمع لما يقال.209

الاحترام الخالد للاصدقاء

في المجالس التي كان يحضرها الامام مع الاصدقاء, كان سماحته يحرص دائما بأن يضع الاصدقاء في المقدمة ويكون من بعدهم. وكان بذلك يحاول اكرام اصدقائه.. وانمثل هذا التصرف لم يكن يصدر في مرة او مرتين, بل كان يتجلى على مدى عشرين عاما وكنت قد شهدته عن كثب.. لقد كان الامام يتمتع بعظمة روحية عجيبة.210

ماذا اصنع مع النفس الامارة؟

احيانا كان كبار العلماء يأتون من المحافظات الى مدينة قم, وكان العرف السائد أن يقوم العلماء والمراجع في قم بزيارتهم. غير ان الامام لم يكن يفعل ذلك إلا مع الذين يعرفهم. وكنا احيانا نفترح عليه ذلك فكان يرفض.. وفي احد الايام قلت لسماحته: أليس التزاور وتجسيد المودة من الاخلاق الاسلامية؟. قال (بلى). قلت: ألا ينبغي ترجمة الاخلاق الاسلامية عمليا؟. قال: (بلى). قلت: إننا نتوقع من سماحتكم تجسيد الاخلاق الاسلامية ليس بدافع الرياء ومدارات الناس, وإنما من أجل الله. قال: (أجل, صحيح ينبغي لي أن أفعل ذلك. ولكن ماذا أصنع مع النفس الامارة؟).. ربما كان يتصور البعض ان تصرف الامام هذا نابع عن التكبر, في حين أنه ليس كذلك. ففي هذه الفترة كنت قد مرضت, ورقدت حوالي الشهر في الحجرة بالمدرسة الحجتية. وطوال هذه المدة كان الامام يأتي لعيادتي كل اربعاء من كل اسبوع. وكان ذلك في وقت لم أكن سوى احد الطلبة المعمورين.

 

 

 

 



تعداد بازدید:  2462




Skip Navigation Links
دستور الجمهورية الاسلامية الايرانيةدستور الجمهورية الاسلامية الايرانية
ذكرياتذكرياتExpand ذكريات
المقالاتالمقالات
سيرة الإمام الخميني (ره)سيرة الإمام الخميني (ره)Expand سيرة الإمام الخميني (ره)
كتب و مؤلفات الامام الخميني (ره)كتب و مؤلفات الامام الخميني (ره)Expand كتب و مؤلفات الامام الخميني (ره)
احاديث و خطابات الامام الخميني(ره)احاديث و خطابات الامام الخميني(ره)Expand احاديث و خطابات الامام الخميني(ره)
الوصية الإلهية السياسيةالوصية الإلهية السياسيةExpand الوصية الإلهية السياسية
اشعار حول الامام اشعار حول الامام Expand اشعار حول الامام