سيرة المحبوب                 


سيرة المحبوب

بقلم:

أصغر مير شكاري

تعريب:

منير مسعودي

 

المقدمة

من جملة المفاهيم المعتمدة في المناهج التربوية مفهوم القدوة والاسوة, التي بوسعها – بسبب عينيتها وواقعها المحسوس – أن تترك اكبر الاثر وتحقق اعظم القائجة. وبطبيعة الحال. ان مثل هذه الاسوة تضطلع بدورها, سواء الايجابي او السلبي, بناء على نوعية الاختيار واتجاهه وتوجهه.

ولمزيد من تسليط الضوء على هذا الموضوع, يرى الامام الخميني (قدس سره) ضرورة التعرف على الانظمة التربوية الدينية ومنزلة الانسان في هذه الانظمة, موضحا بأن الاسلام يؤمن, آخذا بنظر الاعتبار الكرامة الانسانية:

اولا- ليس بوسع اي شخص أن يحتل موقع الأسوة والقدوة وان يكون إنموذجا يحتذى به. إذ أن القرآن المجيد يشير الى أعظم الخلق, نبي الاسلام الكريم (ص), وكذلك الى الننبي ابراهيم العظيم, بصفتهما (أسوة).

ثانيا- تقسيم الرؤية الاسلامية بنظرتها الايجابية واهتمامها بسمو الانسان وتعاليه. ويوصي الاسلام بالتأسي بـ (الأسوة الحسنه), ويحذر من التوجه المعارض لها.

ثالثا- من بين اتباع هؤلاء العظام ثمة اصفياء بوسع حياتهم ونهجهم واخلاقهم وسيرتهم, أن تشكل إنموذجا قيما يحتذى به وأسوة حسنة للناس كافة, وكأنهم يريدوا أن يقولوا للآخرين خن خلال أقوالهم وأفعالهم: (كونوا مثّلنا), و (عيشوا حياتكم مثّلنا) و...الخ.

ومما لاشك فيه أن الامام الخميني (قدس سره) استطاع, في عصر سيطرت عليه الماديات وخيم عليه النهم والجشع وغابت عنه المعنويات والقيم الالهية, استطاع أن يضع امام الانسانية تجسيد حقيق للاسلام المحمدي الاصيل, وأن يترجم الأسوة الحسنة والانموذج العملي للاقتداء, لماتحلى به سماحته من خصال وقيم أخلاقية فذة, ولما أتسمت به شخصيته من روح تواقة للمحاسن كلـّها, وفكر توحيدي أصيل, وبيان واضح وصريح مفعم بالمعنويات, وأقوال وأفعال سمتها الصدق والاخلاص.

فما يلي نظرة إجمالية الى سيرة سماحته الحافلة, واستعرض سريع لأبرز الاحداث والوقائع التي تركت تأثيرها على حياته.

في بداية القرن العشرين, وفيما كان العالم الغربي يطوي جادة التطور والرقي مسرعا, لم يجن الشعب الايراني من حكم الاسرة القاجارية خلال هذه الفترة, سوى الظلام والضياع. واستنادا لما يذكره المؤرخون واصحاب المذكرات, كانت المجاعة والقحط, والنهب والسلب, والاضطرابات وانعدام الأمن, وغياب الصحة والسلامة, وفقدان الامكانات الاولية للحياة, السمعة الغالبة في حياة الشعب الايراني.

كما أن (الحركة الدستورية) كانت قد ضلت طريقها, نتيجة لمخططات عملاء الانجليز في البلاط القاجاري ودسائسهم, فضلا عن الصراعات الداخلية وخيانة جمع من المثقفين المتغربين. فعلى الرغم من ان علماء الدين كانوا في طليعة هذه الحركة إبان انطلاقتها, إلا أنه تم اقصائهم ليلقي بظلاله من جديد على انحاء المجتمع. فانت النزعة العشائرية التي اتسمت بها الملكية القاجارية, وضعف رجالها وافتقارهم للمؤهلات والكفاءة,؛ كانت وراء التدهور الاقتصادي والتدني الاجتماعي الذي شهدته ايران في هذه الفترة, مما شجع الخوانين والاشرار للعبث بمقدرات الناس وامن المجتمع).(حميد انصاري, حديث الانطلاق, ص21.)

في ظل هذه الاوضاع والاحوال, ومع شروق شمس اليوم الاول من شهر مهر عام 1281 شمسي, الموافق العشرين من جمادي الثاني 1320 للهجرة, وتزامنا مع ذكرى ولادة الصديقة الزهراء (سلام الله عليها), بضعة الرسول الاكرم (ص), ولد في مدينة خمين طفل, قاد فيما بعد نهضة إلهية استطاعت أن تعيد للشعب الايراني عزته وكرامته وتمضي به قدما على خطى الاسلام والتقدم والازدهار.

اطلق على هذا المولود, الذي رأى النور في السادس والعشرين من سبتمبر, وحيث مضى على ولادة السيد المسيح 1902 عاما, اسم روح الله. ولاشك أن احدا لم يكن يعلم آنذاك بأن هذا الطفل سيصبح الامام الخميني, المحي لدين الله واعادة الحياة للقيم اللالهية السامية في عصر كانت قد مسخت فيه هذه القيم.

لم يكن قد مضى على ولادة روح الله سوى اربعة أشهر  و22 يوما, حتى استشهد والده, الذي كان يومها الملاذ والحامي للمضطهدين والمظلومين ورمز مقارعة ظلم واستبداد الخوانين واصحاب النفوذ المحليين في خمين, استشهد على ايدي هؤلاء الظالمين, ليمسي روح الله تحت كفالة ورعاية والدته السيدة هاجر، وعمته السيدة صاحبة خانم, ومن ثم شقيقه الاكبر السيد مرتضى بسنديدة.

بيد أنه حُرم من نعمة وجود الام والعمة معا في سنّ الخامسة عشرة.. وخلال هذه الفترة طوى في خمين مراحل تحصيلاته العلمية, ومن ثم توجه في سن السابعة عشرة للالتحاق بالحوزة العلمية في اراك, لينهل من محضر الشيخ عبدالكريم الحائري اليزدي, احد كبار علماء ايران آنذاك. وبعد ثلاث سنوات من انتقال آية الله الشيخ عبدالكريم الحائري الى حوزة قم العلمية, شدّ سماحته الرحال الى مدينة قم للاقامة فيها, ومواصلة دراسته الحوزوية وطي المدارج العلمية حتى بات من خيرة أساتدة الحوزة العلمية وعلمائها المبرزين. وان من جملة الاساتذة الذين كان لهم دور بارز في إثراء الجانب الفكري لمساحة الامام وتكامل شخصيته, يمكن ذكر المرحوم آية الله الشيخ شاه آبادي, لاسيما في توجهاته العرفانية.

عُرف روح الله في هذه الفترة, بالحاج السيد روح الله.. ونظرا لما امتاز به سماحته من روح حساسة باحثة دقيقة ومنتظمة, ومثابرته وسعيه المتواصل, اصبح من الفطاحل ومن كبار الشخصية الشهيرة في تاريخ العلوم المتداولة في الحوزة العلمية من قبيل الفقة والاصول والفلسفة والعرفان.. وفضلا عن اهتمام الامام بالتدريس وتربية تلامذة بارزين, انكب سماحته على تصنيف مؤلفات قيمة يعد كل واحد منها فريدا في بابه في عصرنا هذا.

على صيعد أخر, ان بناء الذات ومجاهدة النفس, الذي اولاه منذ نعومة اظفاره اهتماما بالغا وشكل معين دائم لتحركه وتوجهاته, كان قد صنع من شخصيته شخصية جامعة متكاملة حتى أن (خصاله البشرية قلما تتوافر لدى الاشخاص الاعتياديين, واذا ما شوهدت احدى هذه الخصال لدى شخص ما عدّ هذا الشخص إنسانا عظيما, فكيف والحال قد اجتمعت كل هذه الخصال الفذة في مكان واحد.. إذ كان الامام الخميني إنسانا عاقلا للغاية, عميق الفكر, حكيم, حبير بالناس, حليم, متين, ذو رؤية مستقبلية. وان كل واحدة من هذه الصفات كانت كافية لتصنع الشخص في مرتبة سامية وتفرض احترامه على الجميع.)(آية الله السيد الخامنئي, حديث الولاية, ج1, ص23.).

بيد أن هذه الشخصية, بما امتازت به من خصال وسمات فذة, لم تكن تتطلع في كل اهتماماتها وتوجهاتها سوى الى رضا الله تعالى فحسب, وتتوكل عليه وتحسن الظن به. ولعل هذا كان وراء سيرته الموفقة وتحقيق سماحته كل هذه النجاهات, والفيض بكل هذه البركات على جميع الناس.

وفضلا عن تحصيل العلوم وكسب المعارف والتفوق في هذا الميدان, وكذلك تهذيب النفس وبناء الذات والتحلي بالمحاسن والخصال الفردية القيمة, كان الامام يتمتع –منذ مرحلة الشباب – بروحية مناهضة للظلم, وحرص شديد على متابعة القضايا السياسية والاجتماعية والاحاطة بخفاياها, وقد تنامى وتكامل لديه هذا الوعي بموازاة تكامله العلمي والروحي.

تواصل هذا النهج لذى الامام بصور مختلفة سواء في عهد رضاخان وفي عهد ابنه محمد رضا, الى ان حدثت قضية اتحاد الاقاليم والمدن بعد رحيل المرحوم آية الله العظمى السيد البروجردي. وطرح تبعا لذلك موضوع اتفتاء الشاه والثورة المسماة عشر من خرداد, حيث اضطلع الحاج السيد روح الله بدور بارز في قيادة النهضة الشعبية والتصدي للنظام الشاهنشاهي المستبد والظالم.

وبعد منتصف ليلة الخامس عشر من خرداد عام 1342 شمسي – 5 حزيران 1963 – تم اقتحام منزل الامام الخميني في قم واعتقال سماحته, ومن ثم احتجازه لمدة عشرة أشهر في طهران, حيث فرضت عليه الاقامة الجبرية. إلا أن عوامل عديدة اضطرت النظام الحاكم للافراج عنه. ولانه لا يساوم الظالمين ولن يهدأ له بال حيال الاستبداد الداخلي, ولا يرضى بالهيمنة الاجنبية على شؤون المسلمين, انتفض سماحته مرة أخرى ازاء قضية منح الحضانة القضائية للرعايا الاميركيين في ايران. وفي ضوء ذلك ألقى خطابا هاجم فيه بشدة الولايات المتحدة وأياديها وأذناببها وربيبتها اسرائيل, اضافة الى اصدار بيان شديد اللهجة ينتقد فيه سياسات النظام الحاكم, قاد في النهاية الى نفيه الى تركيا.

وخلال الفترة النفي, التي امضى عامامنها في تركيا وثلاثة عشر عاما في النجف الاشرف بالعراق, وفضلا عن اهتمامه بالحلقات الدراسية في النجف, واصل السيد روح الله النضال بأساليب مختلفة حتى بلغ ذروته واشتد لهيبة مع حادثة استشهاد نجله العالم الفاضل المرحوم آية الله السيد مصطفى الخميني (قدس سره) في الاول من آبان عام 1356 شمسي.

ونتجة للحصار الذي فرض على تحركات الامام الخميني في النجف, اضطر سماحته للهجرة الى فرنسا, وقيادة وتوجيه مسيرة النضال والثورة من هناك.

ومع خروج الشاه من ايران في 26/10/1356 شمسي, وتصاعد النضال وبلوغه الذروة, عاد الامام الخميني الى ارض الوطن في 12 بهمن 1356- بعد غياب استمر 14 عاما- حيث كان في استقباله حشد جماهيري فريد لم يشهد التاريخ له مثيل.

وبفضل قيادته وتوجيهاته حققت الثورة الاسلامية الشعبية انتصارها في الثامن والعشرين من بهمن 1357 – 11 شباط 1979 -, وأسس الجمهورية الاسلامية الايرانية لتحل محل النظام الشاهنشاهي البغيض, وبذلك اضطلع الامام الخميني بأعظم دور في تحرير الانسان وارساء دعائم واحدة من اكثر الحكومات شعبية ووفقا لتعاليم الدين الاسلامي الحنيف.

ربما يمكنا القول أن ابرز تطلعات هذا الانسان الصانع لنفسه سواء انطلاقا من موقعه كطالب للعلوم الدينية او كأستاذ وعالم بارز ومرموق في الحوزة العلمية بمدينة قم, او كقائد للثورة والنهضة, او من موقعه كمرجع ديني كبير وقائد للجمهورية الاسلامية الايرانية – النظام الالهي-؛ تتجلى في تجسيد عبوديته لله تعالى في كافة توجهاته ونشاطاته وفي مختلف المراحل وجميع الاوقات. وبالتالي اداء التكليف فيضوع هذه العبودية, ساعيا الى انقاذ الانسان والسمو به في مدراج الكرامة والكمال. وفي هذا السياق يمكن النظر الى تحركات سماحته في مقارعة الظلم, والتصدي لهيمنة الاجانب سواء على المستوى الوطني وعلى صعيد العالم الاسلامي, والمستضعفين في العالم, والنضال ضد الشاه واميركا واسرائيل ومناصرة الشعب الفلسطيني المظلوم, وقضايا عديدة من هذا القبيل, كلها تصب في هذا السياق وتأتي من هذا المنطلق.

ومن الواضح تماما ان هذا الانسان الباني لنفسه, وبوحي من اتباعه لتعاليم الاسلام السامية في مختلف أبعاد وجوده, استطاع أن يسمو بنفسه في مدراج الكمال, وقد بلغ في تعلقه بجمال الحق منزلة رفيعة أهلته لان يكون مظهرا لجمال المحمبوب في مختلف الابعاد الشخصية والاجتماعية.

يتناول هذا الكتاب مقتطفات من الخصال الممتازة لابعاد هذه الشخصية المتكاملة التي تبرهن بحق على مدى سموها وتعاليها, وتلفت الانظار الى وحدة وانسجام شخصية هذا الانسان العظيم, خاصة في مجال قيادة المجتمع الاسلامي.

جاء الكتاب في اربعة فصول:

يتناول الفصل الاول, الدي حمل عنوان (مع الناس), منزلة الجماهير ومكانة الشعب في رؤية الامام الخميني (قدس سره). حيث يلقي الضوء على الحب والعاطفة تجاه الشعب من الموقع الفردي, والتواضع, والاحتكام للقانون في المواقف الاجتماعية.

وما ينبغي الاشارة اليه, والذي يتجلى في فكر الامام الخميني بوضوح, هو ان سماحته يعتبر الجماهير صاحبة الكلمة الفصل في القضايا الاجتماعية خاصة تلك التي تتصل بالنضال والثورة وتشكيل نظام الجمهورية الاسلامي, ومن ثم الذود عنه وصيانته. ومن هذا المنطلق كثيرا ما يؤكد سماحته على ضرورة تواجد الجماهير في الساحة والاضطلاع بمسؤولياتهم الاجتماعية.

ومن جهة أخرى, وبالالتفات الى ان الامام الخميني يعتبر الجماهير اصحاب الثورة والنظام الحقيقييين, لذا نرى سماحته يوصي كبارالمسؤولين مرارا وتكراراببذل كل ما في وسعهم لخدمة ابناء الشعب معتبر (خدمة الحق تتجلى في خدمة الخلق).

اما الفصل الثاني, فيحاول ان يلقي الضوء على اللطائف الروحية التي تتمتع بها شخصية الامام, حيث يتضح من خلال التأمل فيها, مدى اهميتها لحياة قائد ألهي في المجتمع.

اما الفصل الثالث فقد كرس لتوضيح السلوك والتصرفات التي وإن كانت تتجلى في الحياة الشخصية للافراد, إلا ان انعكاساتها الاجتماعية مهمة ومؤثرة للغاية.

واخيرا, يتناول الفصل الرابع الذي يحمل عنوان (أسوة الصلابة), بيان الخصال الشخصية والفردية لسماحة الامام. وبالتالي فان اجتماع كل هذه الخصال والصفات والقيم الاخلاقية والسلوكية في شخصية الامام الخميني قد جعلت من سماحته في الحقيقة إنموذجا فذا للتخلف بالاخلاق والاتصاف بالصفات الألهية.. ولعله من المناسب حقا أن يطلق على اخلاقه وسلوكه ونهجه وتطلعاته اسم (سيرة المحبوب).

                                                                              والسلام

12 بهمن 1386

اصغر مير شكاري

 

الفصل الاول

مع الناس

التوجه الشعبي وحب الناس

حياة بسيطة وشعبية

كانت حياة الامام الخميني بسيطة وشعبية للغاية.. على سبيل المثال, كنا نلحق به احيانا بعد الانتهاء من الدرس للاستفسار واستيضاح بعض الموضوعات. وفي الطريق كنا نشاهد سماحته يدخل المحال بكل بساطة ويقوم بشراء احتياجات المنزل بنفسه..  ان مثل هذه البساطة وعدم التكلف التي اعتاد عليها الامام في حياته, تجسد المعنى الحقيقي للزهد.. فقد اعتاد على استهلاك القليل والانتفاع به الى اقصى حدّ ممكن.. وكان وجوده مدعاة خير وبركة بالنسبة للاخرين على الدوام.. ان بساطة العيش والزهد كانا ملازمين لسماحته حتى خلال فترة المرجعية. وكان بيت المال يحظى بأهمية خاصة لدى سماحته.1

لابد من اطلاع الناس على البرقية

في الماضي كان علماء الدين يتخذون أشد المواقف واكثرها قوة وحزما ضد الطغاة والمستبدين, أن الناس لم يكونوا يطلعوا عليها في معظم الاحيان. حتى انهم كانوا يتصورون احيانا بأن العلاقة السائدة فيما بينهم على أحسن مايرام.. بيد أن الامام ومنذ انطلاقه النهضة عام 1341 شمسي – 1962-, ولدى لقائه جمعا من علماء قم, اقترح على الحاضرين ضرورة طباعة البرقيات والرسائل التي يتم تبادلها بين علماء الدين واركان النظام الشاهنشاهي ووضعها في متناول ابناء الشعب, كي يتسنى لعامة الناس الاطلاع على كافة التفاصيل والتعرف على مواقف الطرفين.. ولم يمض وقت طويل حتى غيّر الامام اسلوب التعامل مع النظام تماما. فبدلا من أن يخاطب في برقياته, الشاه والحكومة وكبار المسؤولين, توجّه بالخطاب الى الشعب واقدم رسميا على اصدار البيانات.2

ابواب منزلي يجب أن تكون مشرعة للناس

في اوائل انطلاقة النضال ضد النظام الشاهنشاهي, كنا في احد الايام جالسين عند الامام, وكان هناك جمع غفير قد جاء من طهران.

كانت احد ابواب المنزل مغلقة. تنبه الامام, الى ذلك فقال: (مّنُ الذي اغلق هذ1 الباب؟). فقيل: لقد اغلق الباب بأمر من الحاج السيد مصطفى تلافيا للزحام. فقال الامام متألما: (كلا.. افتحوا الباب. اتركوا الناس احرارا. لا يتدخل احد في شؤونه منزلي.. ابواب منزلي يجب أن تكون مشرعة امام الناس.)3

كان ينبغي لهذه العصي أن تضرب رأسي

اثناء حادثة مهاجمة ازلام النظام البهلوي المنحوس للمدرسة الفيضية, كنت أنا في المدرسة. وكلن عندما شعرت با، الاوضاع غير اعتيادية, سارعت للخروج من المدرسة والتوجه الى منزل الامام. وفي منزل الامام وفيما كنت احدثهم عما شاهدته في المدرسة, دخل عدد من الطلاب - طلبة العلوم الدينية – ممن تعرضوا للضرب والتشم واخذوا يتحدثون الى الحاضرين كيف أن ازلام النظام البهلوي ضربوا الطلاب وجرحوهم وقتلوهم. وفي هذه الاثناء قال احد الطلبة: اسمحوا لي بأن اغلق باب المنزل لئلا يهجم ازلام النظام عليه. فأجاب الامام: (كلا, لن اسمح بذلك). فبادر احد العلماء (المرحوم السيد محمد صادق اللواساني) من اصدقاء الامام, للقول: انه اقتراح مقبول. اسمحوا له بأن يغلق الباب, الامر خطير. فقال الامام: (قلت كلا, فاذا ما اصريتم على ذلك فسوف أخرج من المنزل وأتوجه الى الشارع.. ان هذه العصي التي ضربوا بها الطلاب كان ينبغي لها أن تضرب رأسي. كيف يتسنى لي ان أغلق باب منزلي؟ ما هذا الكلام؟)4

لم يحتفل بعد ذلك

في الايام الاولى من قدوم الامام الى النجف, كان سماحته يحتفل بمناسبة حلول الاعياد الدينية من قبيل عيد الفطر وعيد الاضحى والمنتصف من شعبان والثالث عشر من رجب, وولادة الصديقة الزهراء, حيث كان يقام احتفال بهيج في القسم الخارجي من المنزل, ويأتي السادة العلماء والطلبة لتقديم التهاني والتبريك. ولكن منذ أن علم الامام بحملات الاعتقال والتعذيب التي كان يتعرض لها المناضلون المسلمون في سجون النظام الشاهنشاهي, لم يعد يحضر سماحته هذه الاحتفالات وامتنع عن إقامتها تماما ولم يحتفل بعد ذلك.5

كيف أذهب الى الكوفة؟

الطقس في النجف حارا جدا حتى أن درحة الحرارة كانت تصل احيانا الى الخمسين درجة مئوية.. في احد الايام ذهبت مع عدد من الاخوة الى عند الامام وقلنا لسماحته: ايها السيد! ان الحر شديد وانت رجل مسن, وان أناس كثيرن يذهبون في الليالي الى الكوفة حيث الطقس هناك جميل, فلتدهب أنت ايضا. فقال: (كيف لي أن اذهب الى الكوفة لأنعم بالجو الجميل, بينما أخوتي في ايران يقبعون في السجون؟).6

وهل لدى جيمع الطلبة (برادات) حتى تكون لدينا واحدة؟

ينقل احد الذين عملوا في منزل الامام منذ اوائل اقامة هذا العظيم في النجف موضحا: لم يكن لدينا (برادة) في المنزل في حين كنت اعلم بوجود (براد) في معظم المنازل بالنجف.. ونظرالحاجتنا الماسة الى (البراد), قلت يوما للسيد مصطفى: ايها الحاج اشتري لنا برادا. فقال: سأفعل. ولكن عندما استشار الامام في ذلك, قال سماحته: كلا, وهل لدى جميع الطلبة برادات حتى تكون لدينا واحدة؟.. وبعد مدة من التردد على منازل الطلبة عرفت بأن الجميع لديهم براد. فأخبرت الامام بذلك, عندها أذن سماحته بشراء براد صغير.7

لم أرَ مثلما كنت أتصور

قبل التوجه الى باريس, كنت أتصوربوحي من الانطباع الذي كنت احمله عن هذه المدينة, بأن منزلا مؤثثا قد تم اعداده لقائد الثورة, كي يتسنى لسماحته في اية لحظة ارسال نداء الى مختلف انحاء العالم, او تسلم الاخبار اول بأول.. بيد انه عندما دخلت باحة المنزل.. كان هناك الامام واجهت حشدا من الحاضرين في القسم الخارجي من المنزل.. كان هناك عدد كبير من الاحذية. ولان الجو كان ممطرا, كانت الاحذية كلها ملطخة بالوحل.. ولجت الباب فاذا بدهليز صغير علقت امامه ستارة من القماش. فأزحت الستارة وتوجهت نحو الجانب الاخر. رأيت غرفة صغيرة وقد وضع فراش في صدرها وقد جلس الامام عليه.. لم أرَ اي أثر للامكانات المتوقعة ووسائل الراحة.. بأختصار لم أرَ ما كنت أتصوره.8

كانت هذه اجمل لحظاتي

بعد خطابه في مقبرة (جنة الزهراء), أعرب الامام عن رغبته بالسير وسط الجموع المحتشدة. وهناك صورة للامام يبدو فيها جاسر الرأس ومن غير عباءته وكأنه يلتقط أنفاسه بصعوبة. وقد اوضح سماحته فيمابعد قائلا: (لقد شعرت بأن روحي تخرج من جسدي).. اراد الامام أن يقول بأن اجمل لحظات حياتي هي تلك التي كاذ أن يقضى عليّ وسط زحمة الجماهير. ومثل هذا يصور لنا غاية الاخلاص والتواضع اللذين كان يتحلى بهما الامام ويعبر بذلك عن مشاعره تجاه الجماهير.9

أود أن أقبلّ جباهكم

خلال الفترة التي كان الامام يقيم في مدرسة (علوي), كان الناس يأتون زرافات زرافات لرؤيته.. الرجال يأتون في الصباح والنساء عصرا.. كان الزحام بشكل عجيب, وكان البعض يصاب بالاغماء فيتم نقلهم بسيارات الاسعاف الى المستشفىِ.. كنت مرة عند الامام, ومن بين الزحام العجيب وقع نظر الامام على صبي لم يتجاوز عمره العشر سنوات, كان يبكي ويتدافع كي يصل الى الامام في هذه الاثناء اشار الى أن يأتوا اليه بهذا الصبي. فجاءوا به وكان مبللا من شدة العرق, وكان يبكي من شدة الشوق والفرحة. وفيما كان الامام يحاول أن يحيطه بحنانه قال له الصبي: اريد أن أقبل وجهك. فأحنى الامام رأسه فقبل الصبي خذّ الامام. ثم طلب أن يقبل خدّه الاخر, فأذن له الامام بذلك. واخيرا قال: اريد بقبيل جبينك. فانحنى الامام بكل تواضع حتى يتمكن الصبي من تقبيل جبيم سماحته المبارك.10

والناس ماذا تفعل؟

بعد انتصار الثورة, كانت الجماهير تأتي من مختلف الفئات للقاء الامام في قم. ونظرا لشدة الزحام كان من الممكن ان تنتظر ساعات طوال في الطقس البارد او الحار حتى يأتي دورها. وفي بعض الاحيان كان الامام يصعد الى السطح ليحيي الناس المحتشدة فيما كانت الثلوج تتساقط. فكنا نحاول ان نمسك المظلة لمنع عن سماحته المطر, فكان يقول غاضبا (والناس ماذا تفعل؟ أنا لا احتاج للمظلة)11

أنت ايضا قف في الطابور كالاخرين

في الايام الاولى من انتصار ا لثورة كان الامام في قم, وكانت الحشود الكبيرة تأتي للقاء سماحته كل يوم تقريبا. فكانت المدينة مكتظة بالزوار.. الفنادق ممتلئة, والمطاعم مزدحمة, وطوبير طويلة أمام أفران الخبز.. باختصار كانت مدينة قم تموج بالحشود البشرية.. وكان ثمة شيخ عجوز ضعيف البنية يخدم في منزل الامام كانوا ينادونه بالاب.. في احد الايام قال له الامام: (علمت بأنك عندما تذهب لشراء الخبز, يقول له الامام: (علمت بأنك عندما تذهب لشراء الخبز, يقول الواقفون في الطابور بأن هذا الرجل خادم السيد ويحاولون أن يضعوك في مقدمة الطابور وتأخذ ماتريده من الخبز دون انتظار.. لا تفعل هذا. ليس من المناسب أن يذهب احد افراد هذا المنزل لشراء شيء ما دون مراعاة دوره في الطابور.. انت ايضا قف في الطابور شأنك شأن الاخرين.. حذار أن تكون لك الافضلية!).12

من الذي قال إمنعوا الناس؟

بعد انتصار الثورة, جاء الامام مرة الى المسجد الاعظم في قم لحضور مجلس الفاتحة.. ونتيجة للزحام فقد حذاء الامام وسقطت العمامة من على رأسه, وحاولنا بشق الأنفس اخراج الامام من وسط الناس المزدحمة.. وفي اليوم التالي, حيث كان من المقرر ان يشارك سماحته في مجلس يقام في نفس المكان, تم احضارعدد من الحرس للتواجد في المسجد ومراقبة مكان جلوس الامام.. وبعد حضور سماحته واشتداد الزحام, تم اغلاق احد الابواب.. وما أن انتهى الاحتفال الى وسط الحشد حيث احاظ به الناس من كل صوب.. بعدها وفي طريق عودته, قال سماحته الى المرحوم اشراقيوالسيد صانعي: (مَنْ الذي قال بأن تمنعون الناس وتركهم خلف الابواب؟ ارجو ان لا تتكر مثل هذه الاعمال من الان فصاعدا).13

أنا لا أريد مرافق مسلح

ثمة مشكلة كبيرة حدثت في الايام الاولى من وجود الامام في قم, فيما يتعلق بتوفير الحماية والامن. إذ أن الامام كان يرفض ان يرافقه حارس مسلح. كان يقول دائما: (أنا لا أريد مرافق مسلح).

ففي ذات الوقت الذي كان الامام يذهب في الليالي الى منازل اصحاب السماحة والفضيلة وأسر الشهداء, وكانت ثمة مخاطر كبيرة تهدد حياته من هذه الناحية,. في الوقت نفسه كان اهالي مدينة قم بمجرد أن يعلموا بوجود الامام نأ في شارع أو زقاق ما, كانوا يخرجون من منازلهم ويحتشدون حول السيارة التي كانت تقل سماحته. حتى انهم كانوا يجلسون فوق سقف السيارة, فيحتار السائق ماذا يفعل, وفي الوقت نفسه كان الامام يصرّ على القول: (لا يتبعني احد.. الناس هم الذين يحموني).14

نموذج من حب الامام الشديد للناس

كان الامام يستقبل زواره, سواء من داخل ايران او خارجها في غرفة صغيرة ومتواضعه. وفي بعض الاحيان كان الامام يخطب خمس مرات في اليوم الواحد, سواء للمحتشدين في باحة المنزل او امام الذين قدموا للقائه. وعلى الرغم من أن هذا الامر كان يرهقه كثيرا, ولكنه ونظرا لحبه الشديد للناس وعشقه لهم, لا يقل (لا) أبدا.15

الامام ذهب وسط الجماهير

عندما كان الشهيد رجائي وزيرا للتربية والتعليم, توجه في 28 شهريور 1358 للقاء الامام في قم صاحبا معه المدراءالعاملين في الوزارة.. كان الجميع جالسا في الغرفة الصغيرة التي يستقبل فيها الامام ضيوفه. وكانت الجماهير الثورية المحتشدة في الازقة المحيطة بمنزل الامام تهتف بالشعارات الحماسية.. فجأة قيل لنا جاء الامام, وما أن لمحنا عباءة سماحته انتفضنا واقفين. غير ان الامام لم يدخل الغرفة.. فجأة ارتفعت الحاضرين بالتكبير والتهليل والصلاة على محمد وآل محمد. سألنا ما الذي حدث؟ قالوا: الامام ذهب وسط الجماهير.16

التعامل بمنتهى الحلم والبهجة

اثناء لقائه الناس والاصغاء الى همومهم واحتياجاتهم, وكذلك الحرص على خدمتهم بكل اخلاص, لم يشعر الامام بالتعب مطلقا.. ففي الكثير من الاوقات يضيق ذرعا حتى المسؤولين في مكتب الامام من إلحاحبعض المراجعين واصرارهم غير المرر. غير أن الامام كان يتعامل مع الجماهير بمنتهى الحلم والبهجة. فلم نرّ سماحته قد عضب في مثل هذه المواقف مطلقا. حتى أن سماحته كان يستمع الى احلام الناس وتطلعاتهم بكل رحابة صدر.17

لقد جاء هؤلاء الى هنا بكل شوق

إبان الانتصار, وخلال الفترة التي كان الامام يقيم في قم, كانت الجماهير تأتي لرؤيته وتحيته فيث كل يوم تقريبا,وكانوا يعبرون عن احاسيسهم ومشاعرهم خلال تواجدهم في الازقة التي تفضي الى مقر إقامة الامام.. كانت حشود مكتئظة. كما أنه كانت ثمة حشود تموج كأمواج المياه في الجانب الاخرمن النهر الذي يمر من امام مقر إقامة الامام.. وكان الامام يصعد الى السطح لتحية الجماهير والرد على احاسيسهم ومشاعرهم. فكان البعض يطلب من سماحته: (ايها السيد! لاتصعد الى السطح, أنه لا يخلو من الخطورة), إذ كان الناس يقذفون بوسائلهم الخاصة لتترك بلمسات سماحة الامام. غير ان الامام كان يرفض مثل هذا التحذير قائلا: (كلا.. لقد جاء هؤلاء الى هنا بكل شوق وحب).. وعندما رأى البعض اصرار الامام, قالوا له: (ايها السيد! متى ما اردت الصعود الى السطح, اسمح لنا بمراقبة الاوضاع اولا ومن ثم لتصعد). حتى أن السيد اشراقي حاول تكرار ذلك اكثر من مرة غير أن سماحته لم يكن يعبأ بذلك . فما أن كان يتنادى الى سمعه هتافات الجماهير المحتشدة داخل الازقة حتى كان يصعد الى السطح.. كان سماحته حريصا على التعبير عن احترامه للناس الذين جاءوا لتحيته بكل شوق وحماس.18

الاعداء لم يدركوا شيئين

بعد ارتباطه بالله وحبّه للاولياء, كان الامام يكن حبا للناس لا يوصف. وكان يعتبر حب الناس من حب الله. وكان سماحته يقول دائما: (شيئان لم يتعرف عليهما اعداؤنا, الاسلام وشعبنا).19

الجماهير لن تتزلزل مطلقا

مرت اوقات شن فيها المغرضون دعايات واسعة في الداخل والخارج تؤكد مرض الامام, فكان يقال للامام لابد من أن يكون لديك ظهور عام من خلال لقاء او اصدار نداء, وإلا مثل هذه الدعايات سوف تترك تأثيرها على مواقف الشعب والمقاتلين في جبهات القتال. فكان الامام يرد على ذلك بالقول: (وهل يقاتل الشعب من أجلي حتى يتأثر بذلك؟ ان ابناء الشعب يناضلون من اجل الله والاسلام ولن تيزلزلوا مطلقا).20

أنا اعرف الجماهير بنحو افضل

من بين كل الذين اعرفهم لا اجد شخصا كالامام يؤمن بروحية الشعب الايراني. فقد قيل لسماحته خلال مرحلة النضال مرارا: ايها السيد أن الشعب لا يطيق تحمل متاعب النضال ومشاقه. غير ان الامام كان يجيبهم: (كلا, الشعب ليس كما تقولون, انني اعرف الجماهير بنحو افضل).21

الصحف ليست ملكا لنا

في احد الايام ذهبت للقاء الامام برفقة مندوبي سماحته في كل من مؤسسة كيهان ومؤسسة اطلاعات, الشهيد شاه جراغي والسيد دعائي. كما أن السيد محمد خاتمي كان موجودا حيث كان وزيرا للثقافة والارشاد وقتئذ. فقال لنا الامام مداعبا: (ارجوا ان لا يقتصر اهتمام الصحف على نشر الامورالمرتبطة بي, وتحرص على وضع صورة لي في الصفحة الاولى وعنوان رئيسي ينسب لي). ثم قال: (الصحف ليست ملكا لنا. إنها ملك للشعب المحروم. ملك للطبقات الوسطى.) واضاف: (اذا ما عمل احد المزارعين عملا جيدا, ضعوا صورته في الصفحة الاولى بدلا من صورتي.)22

اذهبوا أنتم تابعوا توجهات الشعب

عندما التقينا الامام مع اعضاء هيئة تحرير صحيفة ’(جمهوري اسلامي)’ قلت لسماحته: اننا وحيدون والهجوم واسع للغاية.. ذلك أننا كنا اوائل الثورة وكانت القوى المعادية كثيرة, وكانت الفئات والجماعات تقوم باصدار المئات من المطبوعات والصحف العجيبة والغريبة, وكنا في موضع الاتهام دائما. فقال الامام: (انما المستقبل لمن ينتصر لهذه الثورة ويمضي بها قدما..المستقبل لمن يواكب تطلعات الشعب ويمضي على خطاه. فاذا ما تنحيتم جانبا فسوف تنتهون دون شك.. كونوا مع الشعب وتابعوا نهجه).. لقد كان سماحته يؤمن بالشعب الى حد كبير.23

لانه غير متوافر للجميع لذا لن أذهب للملجأ

يشهذ الله بأن الامام كان يدعو لابناء الشعب دائما في صلاة الليل وفي مناجاته وتهجده. وكان يطالب دائما بتوفير الراحة للشعب.. كان حريصا على أن ينعم الشعب بالهدوء والاستقرار،  وكان لايكف عن أن يوصي المسؤولين بذلك. خاصة المسؤولين الذين تسلموا زمامالامور في الايام الاولى للثورة ولم يكونوا بعبأوا كثير بهموم ابناء الشعب.. كم كان حريصا على راحة الشعب واستقراره.. يعلم الله كيف أنه لم يكن يغادر غرفته خلال الفترةالتي كانت تتعرض طهران للقصف الصاروخي والقصف الجوي. ولم يكن يبتعد عن النافدة.. فكم ألح على سماحته السادة المسؤولين وبعض افراد اسرته بأن يأذن باعداد ملجأ لسماحته, غير انه كان يقول: (اذا كان بوسع كافة ابناء الشعب الذهاب الى الملاجئ لكي لا يلحق بهم أذى, عندها سأذهب أنا للملجأ.ز ولكن أن اعلم بأن امكانية ذلك غير متوافرة لجميع ابناء الشعب.. صحيح قد تم لحد الان تشييد عدد من الملاجئ, إلا أن الغالبية من ابناء الشعب لاتستطيع الاستفادة منها. لذا لن أتحرك من مكاني).. قلت سيدي! قسما بالله أن الشعب نفسه سوف يفرح عندما تكون في مكان آمن. لذا نسألك أن تحمي نفسك من اجل أبناء شعبك. فكان يجيب: (أجل, تلك مسؤولية أخرى. ولكن أنا لا أستطيع أن اذهب الى مكان أتصور أني آمن فيه, في الوقت الذي أعلم بأن ذلك غير متيسر لجميع أبناء الشعب.)24

الى جوار الشعب في المخاطر

في عصر احد الايام اصابت نحو سبعة الى ثمانية صواريخ المنطقة الميحطة بجماران.. توجهت الى الامام قائلا: كم سنفرح اذا مااصاب احد صواريخنا قصر صدام. ولكن ماذا لو وقع احد الصواريخ من القرب منا ونزل السقف علينا ولحق بك سوءا. فقال الامام: (قسما بالله! أني لا أرى فرق بيني وبين ذلك الحارس المرابض امام المنز.. قسما بالله! ان الامر سيان بالنسبة لي اذا ما قتلت أنا او قتل هو.). فأجبته: نحن نعلم بأنك تفكر بهذه الطريقة, ولكن الامر يختلف بالنسبة للشعب.. فقال: (كلا, لابد للشعب أن يعلم بأنه اذا ما حاولت اللجوء الى مكان آمن لئلا أقتل, فيما يقتل القصف الحارس المرابض امام المنزل, فاني لم أعد اصلح لقيادة هذا الشعب.. انني استطيع أن اخدم الشعب عندما تكون حياتي على قدم المساواة مع حياة الشعب.. فاذا ما تقرر أن يتعرض أبناء الشعب, أو هؤلاء الحرس,  او الذين يتواجدون هنا, للأذى فلأكن أنا أحدهم كي يدرك الشعب بأننا معا والى جوار بعض)..فقلت: الى متى تريد الجلوس هنا إذن؟. فهز كتفه المبارك وقال: (الى الوقت الذي تصيب شظايا الصاروخ المكان)25

متى ماتوفرت الملاجئ للجميع

خلال فترة القصف الجوي وسقوط الصواريخ على طهران, قام الاخوة في الحرس بتشييد ملجأ صغير بالقرب من مقر إقامة الامام كي يلجأ اليه سماحته وافراد أسرته إذا ما أعلنت حالة الخطر ودقت صافرة الانذار.. غير ان سماحته لم يذهب الى الملجأ ابدأ. وعندما كنا نسأله لماذا لا تذهب الى الملجأ حفاظا على حياتك من اجل الشعب. كان يقول: (وهل تتوفر الملاجئ لكافة ابناء الشعب حتى يكون لي ملجأ؟ متى ما اصبح لدى جميع ابناء الشعب ملاجئ عندها يمكن أن أحتمي بالملجأ). واصرّ سماحته على البقاء في غرفته الصغيرة.26

لا يحق لكم أن تمنعوا الناس

كان الامام يحذر اعضاء المكتب دائما قائلا: (حذار أن تسيئوا معاملة الناس.. لا يحق لكم أن تمنعوا الناس.). وفي احد الايام خرج سماحته من المنزل مبكرا على غير عادته.  فرأى الناس يتزاحمون وراء السياج الحديدي الذي وضع امام المنزل بانتظار أن يفتح الباب كي يتسنى لهم الدخول. وقد اشتد تدافعهم عندما رأوا الامام لعل الباب يفتح أسرع.. فنظر الامام الى من حوله ممتعظا, وطلب منّا ومن الحرس بضرورة إزلة هذا السياج.27

تعال في اي وقت تحب

في كل يوم كانت تصل الى مكتب الامام اكثر من خمسمائة رسالة. وقد اعتاد سماحته على قراءة كل الرسائل حتى الرسائل الاعتيادية قبل أن يمنعه الاطباء من كثرة القراءة.. وثمة رسائل كثيرة اجاب فيها الامام بخط يده على رسائل الاطفال والاحداث الذين كانوا يبعثون برسائلهم المفعمة بمشاعرهم واحاسيسهم حيال الامام.. ان هذا النوع من الرسائل كثرا جدا. وفي كثير من الاحيان كانوا يطلبون من سماحته أن يبعث لهم صورة له مزينة يتوقيعه. فكان الامام يأمر بتهيئة الصورة وارسالهم إليهم.28

قولوا له أن يأتي

في عام 1361 كان لنا لقاء مع  ا لامام.. عندما وصلنا الى بوابة المنزل, تقدم نحوي شيخ عجوز, كان يحمل في يده كيس, وقال بلكنة تركية: ايها السيد! إذا إلتقيت الامام قل له بأن شيخا عجوزا من اهالي ارسباران قد مضى وقت طويلا في الطريق حتى وصل الى هنا, وانه يريد أن يتشرف بلقائك. واضاف: اريد ان اهدي الامام كيس اللوز هذا.. وقد وعدته بأن أبلغ رسالته الى الامام.. لما حان دوري, جاء السادة حجج الاسلام الشهيد محلاتي وأنواري وموحدي كرماني, مندوب الامام في حرس الثورة والجندرمة وقوات الشرطة, كي يلتقوا الامام. فقال الامام للسيد صانعي: أنا متعب ولا استطيع أن استقبل السادة.. عندها قلت مع نفسي, لما يكون الامام غير مستعد لاستقبال مندوبيه, فكيف سيوافق على استقبال هذا الشيخ العجوز. ولكن على اية حال اخبرت الامام بحكاية الشخ موضحا بأن ثمة عجوز في الباب يتمنى رؤيتكم. فأمر الامام على الفور: (قولوا له أن يأتي). عندما دخل الشيخ العجوز حياه الامام بحرارة وتفقد احواله وأحنى ظهره كي يتمكن من تقبيل يده.29

كانوا يتصرفون بمنتهى الاحترام

ان المشاعر التي كان يتمتع بها الامام حيال ابناء الشعب, على درحة كبيرة من الرقي. وعلى الرغم من كل الهموم التي كان يواجهها والمسؤوليات التي يتحمل اعباؤها, كان يأتي الى سماحته اشخاص يتحدثون اليه احيانا حتى عن مشكلاتهم الاسرية. وفي احد الايام جاء الى مكتب الامام شاب كان مضربا عن الطعام حتى يتسنى له لقاء الامام. ومهما حاول الزملاء ثنيه عن ذلك والتعرف على مشكلته, باءت محاولاتهم بالفشل. وكان يصرّ على ضرورة أن يلتقي الامام بمعزل عن الاخرين. فتم ابلاغ الامام بحكاية هذا الشاب. فوافق سماحته على استقباله رغم ما في الامر من خطورة على حياته. إذ كيف ينفرد شاب بالامام دون معرفة مسبقة.. على اية حال دخل هذا الشاب على الامام وطرح على سماحته مجموعة من الاسئلة التي لا معنى لها, وكان موضوعها عاديا جدا. ومع ذلك تعامل معه الامام بمنتهى الاحترام.30

العطفة والرأفة

العجوز الجنائي

إتذكرفي يوم ما عندما كنت صغيرا, جلب شيخ عجوز ترابا الى حديقة المنزل. في تلك اللحظة كنا جالسين الى المائدة. فقال الامام: ان هذا العجوز لم يتغدى بعد.. كانت كمية الطعام محدودة. فأخذ سماحته صحنا من المائدة وصبّ فيه عدة ملاعق من طعامه وقال لنا: (ليضع كل واحد عدة ملاعق من طعامه في هذا الصحن حتى يصبح بمقدار وجبة غداء شخص.).. على الرغم من ان طعامنا كان محدودا في ذلك اليوم, إلا أننا قمنا باعداد وجبة غداء لذلك العجوز, وكنت في عالم الطفولة قد سعدت كثيرا بهذا العمل.31

من اي مدينة أنت؟

بعد اطلاق سراح الامام في عام 1343 وعودته الى مدينة قم, اخذت حشود المحبين والمخلصين تتدفق على مدينة قم ومنزل الامام من مختلف انحاء البلاد.. وفي احد الايام كنا عند الامام, فدخل على سماحته احد القرويين كان قد جاء من احدى مدن أقليم خراسان للقاء الامام.. كان يعشق الامام وكان يذرف دموع الشوق بغزارة.. عندما تنبه الامام الى حالة دعاه للجلوس الى جنبه واحاطه بعطفه وحنانه. ثم أمر أن يأتوا له بقدح الشاي, وراح يسأله عن ظروفه وتفقد احواله مثلما يفعل الاخ مع أخيه,حيث أخذ يسأله عن مدينته وعمله حتى بدأ يهدأ ويسترجع حالته الاعتياديه, وكان ذلك موقفا مؤثرا بالنسبة لنا جميعا.32

لم يقل (لا) قط

كان الامام يتحلى بروح لطيفة للغاية.. ان الخصال والصفات الاخلاقية التي كان يتمتع بها قلما كانت تشاهد لدى الاخرين.. وكنت ارافق الامام على مدى سنوات عديدة بعد انتهاء الدرس اثناء خروجه من مسجد سلماسي وهو في طريقه الى المنزل. وكنت انتهزهذه الفرصة لان اطرح على سماحته بعض الاستفسارات حول موضوع الدرس, وكان يجيب سماحته عليها بكل رحابت صدر. وطوال هذه الفترة لم يحدث أن إنزعج من ذلك. وطبعا لم يقتصر ذلك على يوم او يومين, وانما كان في معظم الايام تقريبا, حتى في تلك الفترة التي لم اكن احضر حلقات درس سماحته. فلم يحدث أن تصرف بنحو يوحي باستيائه او امتعاضه من السير خلفه واللحق بهوطرح أسئلتي واستفساراتي.33

كأنه يتحدث مع اصدقائه القدماء

في احدى الليالي جاء الى مرقد الامام امير المؤمنين جماعة من الطلبة الجامعيين المسلمين الذين يدرسون في اوروبا, للقاء الامام.. وكان مظهر هؤلاء الجامعيين – وعلى حد تعتبيرنا – غريبا على بيئتنا ومثيرا للتساؤل سواء من حيث المظهر الخارجي والقيافة, ومن ناحية طريقة الكلام والتعامل. غير أننا شهدنا كيف أن الامام تعامل مع هؤلاء بنحو وكأنه جالس مع اصدقائه القدماء منهمكا بالحديث معهم. وبالمقابل كانوا مشدودين الى الامام بحيث عندما نهضوا من عند سماحته نهضوا وهم يختزنون علاما من الطاقة والايمان والأمل.34

لا تضغطوا على الناس

في وقت ما أشيع في النجف أن جماعة جاءت من ايران –اواخرعام 1346- لاغتيال الامام بأمر من الشاه.. فكان واجبنا الشرعي يقضي بضرورة المحافظة على حياة الامام. وفي ضوء ذلك قررنا أنا وسبعة أو ثمانية من الاخوة مرافقة الامام لدى ذهابه الى مرقد الامام امير المؤمنين مساء كل يوم. اضافة الى مرافقته عند توجهه الد حلقة الدرس.. في الليلة الاولى, وعندما انطلق الامام في طريقه الى مرقد المير المؤمنين, مضينا في السير خلفه. وما هي إلا خطوات حتى شعر الامام بوجودنا, فعاد وطلب منا بالانصراف الى شأننا. وبطبيعة الحال سلمنا في تلك الليلة لرغبة الامام وعدنا ادراجنا فيما واصل سماحته مسيره الى الصحن الشريف. ولكن في اليوم التالي بعثنا رسالة الى الامام مفادها بأن الواجب الشرعي يحتم علينا الحفاظ على حياته شاء أم أبى. وطالما نعتبره واجبا سوف نصرّ عليه ولن نتخلى عن مرافقته.. وممايذكر في هذا لصدد أن ضريح الامام امير المؤمنين كان يزدحم وكانوا يتزاحمون على الامام لتقبيل يده. وكان سماحته يتعرضلبعض المضايقات احيانا نيتجة لهذه الزحمة, فكنا نتدخل في الوقت المناسب. إلا أن تدخلنا هذا كثؤرا ما كان يقترن بتحذيرات الامام لنا قائلا: (لا تضغطوا على الناس) واكن يدفعنا جانبا ليكون الناس احرارا ولئلا يلحق بهم اي أذى.35

اذا ما كان ثمة خطر فلماذا لا يكون لي

عندما كنا في باريس, كنت أتولى فتح الرسائل التي كانت تصل اولا لدوافع امنية, ومن ثم احملها الى الامام ليطلع عليها. ومرة كنت في المطبخ منشغلا بفتح الرسائل, فجاء الامام وقال: (أنا غير راض). وحينها تصورت بأن سماحته قلق لئلا اطلع على فحوى الرسائل, فقل: قسما بجدك رسول الله بأني لن احاول قراءتها, وانما اكتفي بفتحها لاغراض أمنية فقط لئلا يحدث ما لا يحمد عقباه. فقال الامام: (أعلم ذلك, وهذا) ما قصده. فان كان ثمة خطر فلماذا لا يكون لي.). قلت: سيدي الامام. الشعب الايراني بانتظارك. قال: (وهناك ثمانية اطفال يانتظار في ايران). قلت: لا تقلق سماحتك لقد تدربت على هذا العمل ولاتوجد مخاط. قال: (حسنا, تعال وعلمني كيف تفتح الرسائل, حتى اذا ما كان ثمة خطر سوف ينتفي.)36.

جئت لأساعدكم

في احدالايام, وحسب الاتفاق, ازداد عدد ضيوف منزل الامام. وبعد تناول الطعام وجمع الاواني والصحون رأيت الامام ذخل المطبخ. ولانه لم يكن وقت الوضوء, سألت: لماذا الامام في المطبخ؟ فقال سماحته: (لان الصحون اليوم كثيرة فقد جئت لاسامحكم).. الى هذا الحد كان سماحته يراعي احوال وحقوق الاخرين.37

جئت لتقديم المساعدة

كانت السيد دباغ تضطلع بدور بارز في نوفل لوشاتو. إذ كانت تهتم بشؤون المطبخ والطهي والتنظيف اضافة الى الامور المتعددة الاخرى.. وفي كثير من الاحيان كنا نذهب الى عندها نجلس ونتحدث. وفي احد الايام كانتصحتها ليست على مايرام ومع ذلك كانت واقفة تغسل الصحون. فذهبت لرؤيتها. شعرت بأنها متألمة, فسألتها: ما الذي يؤلمك؟ قالت: فيما كنت أغسل الصحون, فاذا بي أفاجئ بالامام يدخل المطبخ ويخاطبني: ايها الاخت – كان الامام يناديني بالاخت- جئت لتقديم المساعدة, اسمحي لي أن أغسل الصحون.. لقد تأثرت السيدة دباغ لهذا الموقف كثيرا قائلة: ان الامام بهذه العظمة ورغم كل مشاغله وههمومه, جاء الى المطبخ ليقول لي أنا بالذات هذا الكلام.38

كان يناديني بالاخت

في نوفل لوشاتو, كنت في خدمت الامام اربعة أشهر وستة عشر يوما. وكان يطلب من احيانا أن اتصل بالقس الفلاني وأن ابحث معه قضايا الثورة. او اتناول هذا الموضوع مع الصحافي الفلاني. وقد علمت من احد الاعزة من الذين يترددون على منزل الامام, بأن سماحته كان يناديني في غياري بالاخت طاهرة بوحي من لطفه ومحبته. وأنا اعتبر ذلك فخرا ولطفا منّه الله تعالى عليّ.39

أيهم طعامك؟

عندما كنا في باريس, في احد الايام كانت أسرة الامام مدعوة في منزل احد الاصدقاء, فاخبرنا الامام بان آية الله مطهري وآية الله صدوقي سيكونان ضيوفه على الغداء.. وعندما حانموعد الغداء, سكبت الطعامالذي اعتاد الامام على تناوله كل يوم, وهو مرقة اللحم, في ثلاثة صحون وقدّمتها للامام. ولحظتها فكرت مع نفسي بأن اذهب الى المبنى الاخر وأتناول الخبز والجبنة والبندورة , وهو الطعام المتوافرة في العادة هناك.. عندما قدّمت الطعام, سأل الامام: (أيهم طعامك؟). ولاني لا استطيع أن اكذب, قلت: (تناولوا انتم غداؤكم, وسأذهب أنا الى البناية الثانية وأتناول شيئا). فقال (أذهبي وهات صحنا).. جئت بإناء اخر وقام سماحته بتقسيم الطعام الموجود في الصحون الثلاثة الى اربعة أقسام واعطاني واحد.40

لم أستطع النوم ليلة أمس

جاء عدة من الايرانيين مرة الى فرنسا لزيارة الامام.وكان هناك مساحة صغيرة خلف غرفة الامام كنت أنام فيها. وفي تلك الليلة, ونظرا لقلة المكان, تركت مكاني لاحد الضيوف وذهبت ونمت في المطبخ. وقد علم الامام بذلك فقال لي في اليوم التالي: (لما علمت بأنك اخترت النوم في المطبخ, وكان من الممكن أن تأخذ برد, لذا لم استطع النوم طوال الليل.)41

أسوة الرأفة

كانت الامطار والثلوج تتساقط في باريس, وعندما كان الامام يذهب لإقامة الصلاة ويعود, كان مداسهيتسخ بالوحل. فكنت احرص على تنظيفه من الوحل العالق به في كل مرة. فلما تنبه الامام الى ذلك, كان يتترس لئلا يتسخ مداسه كثيرا كي لا يسببلي المتاعب ولو بمقدار بسيط.42

هذايا ليلة عيد الميلاد السيد المسيح في باريس

زجّه الامام ليلة ميلاد السيد المسيح (ع) نداء الى المسيحيين في العالم بثته معظم وكالات الانباء. وفضلا عن هذا النداء أمرنا سماحته بتوزيع الهدايا التي جلبها الاخوة من ايران, وكانت في الغالب انواع من الحلوى والمكسرات, على أهالي نوفل لوشاتوا. وقد وضعنا مع كل هدية زهرة. واثناء توزيع الهدايا شعرنا بأن الامر أثار استغراب وتعجب هؤلاء, إذ كان موضع سؤال بالنسبة لهم ان يبادلهم قائد ايراني مسلم كل هذه المشاعر في ليلة ميلاد السيد المسيح ويكن لهم الحب والاحترام. ومن بين هؤلاء كانت هناك امرأة اخذت عيناها تفيض بالدموع اعجابا بالامام وهي تتسلم هديته.. لقد ترك سلوك الامام هذا تأثيره في نفوس هؤلاء بدرجة طالبوا بتحديد موعد لهم للقاء الامام. فوافق الامام على استقبالهم فورا. وكان عددهم ما بين عشرة الى خمسة عشر شخصا, وقد جاءوا وهم يحملون باقات الزهور.. فتفقد الامام احوالهم وسألهم إن كان لديهم طلبا خاصا. فقالوا: كلا, ليست لدينا حاجة, لقد جئنا لرؤية الامام عن كثب, وما هذه الزهور إلا هدية محبة.. فارتسمت ابتسامة على شفتي الامام وراح يتسلم باقات الزهور من ايديهم واحدة واحدة, ويضعها الد جواره. ثم ودعوا الامام ببهجة وسرور.43

حذار أن يتأذى الجيران

نظرا لوجود الاعداد الغفيرة والحركة الدؤوبة المتواصلة, كان الامام يوصي دائما لئلا تصدر حركة أو تصرف يؤذي الجيران الذين كان جميعهم من المسيحيين.. في الحقيقة كان الامام يهتم كثيرا براحة جيرانه وهدوئهم ويبذل كل ما في وسعه لئلا يتأذى او ينزعج اهالي المحلةلشدة الزحام وكثرة التردد على منزل سماحته. وان اخلاق الامام هذه وحرصه على راحة جيرانه كانت وراء حزن وتأثر اهالي نوفل لوشاتو عندما قرر الامام العودة الى ايران. وان بعض هؤلاء قام باهداء الامام حفنة من التراب الفرنسي.44

اعتذروا من الجيران

بعد أن تأكدت مغادرة الامام باريس والعودة الى ايران, أمرني سماحته بالتوجه الى المنازل المجاورة لمقر إقامته والاعتذار من أصحابها نيابة عنه, لما كان يسببه الزحام من سلب لهدوئهم وراحتهم طوال ٍفترة إقامة الامام في هذه القرية وبالفعل توجهت أنا والسيد اشراقي وشخص او شخصين أخرين الى لقاء جميع الجيران في تلك القرية وابلاغهم رسالة الامام واتذاره منهم.45

لاتفعلو شيئا تعجزوا عن تبريره للشعب

مرة كنا نتناقش حول قضايا السياسة الخارجية, وقد احتاج الامر الى قدر من التحرك الدبلوماسي السري. فتمت استشارة الامام في ذلك, فقال سماحته: (لا تفعلوا شيئا عجزوا عن تبريره للشعب).. فكان ذلك بمثابة مبدأ عام في السياسة الخارجية وعلى صعيد الداخل. وفي الوقت نفسه لفت الانظار الى الحياة السياسية للامام التي لم تعرف التناقض في المواقف سواء في الماضي والحاضر وعلى صعيد القرارات العلنية والسرية.46

اعذروني

كان الامام متواضعا حتى في تعامله مع تلامذته والذين في مستويات بدائية من الناحية العلمية والاجتماعية.. ومما يذكر في هذا الصدد, أني كنت في آذربيحان قبل حوالي ثماني سنوات. وكان الوقت صيفا. فبعث الامام طالبا حضوري لبحث موضوع هام يتعلق بآذربيجان, وقبل أن يطرح عليّ الموضوع قال لي الامام: (ارجو أن تعذرني لما تسببّه لك من عناء عندما طلبت حضورك)..ان كلام سماحته هذا كان قد أثر فيّ بدرجة دفعتني للبكاء.47

هذا الطفل اكثر قربا في محضر الله

كان حجم علاقة الامام بالاشخاص على قدر قربهم من الله.. على سبيل المثال, كان سماحته يحب الاطفال كثيرا. وعندما كان يقبل حفيده علي, كان يقول: (ان هذا الطفل حديث العهد وملكوتي. وهو أقرب الى المبدأ.. أنه أطهر من الاخرين.). وان حبه للاطفال كان نابعا من انهم اكثر قربا من الله. ولم يكن يتكلف في التعبير عن مشاعره.. ان حبه وكرهه كان بصورة تلقائية ومن اجل الله.48

لا شأن لكم بالطفل

ذهبت يوما مع ولدي حامد, الذي ان له من العمر اربع سنوات, الى عند الامام.ز كان الامام جالسا في الغرفة والى جواره كيس كبير ممتلئ بالاوراق والرسائل.. كان الامام يخرج منه الرسائل ويقرأها واحدة واحدة نكان يضع الرسائل التي تستوجب الرد عليها تحت (البطانية) التي يجلس عليها كي يعود اليها فيما بعد, ويضع لابقية جانبا..

سلمننا على سماحته وجلسنا. فأخذ الامام يتحدث مع حامد ويداعبه. وما هي لحظات حتى بدأ حامد يلعب مع الامام. غير أني حاولت أن اسئذن بالخروج آخذا حامد معي كي لا يزاحم اوقات الامام. فقال الامام: (لا شأن لك بالطفل, فان كان لديك عمل فتفضل اذهب.). فخرجت لانجاز بعض الاعمال. وبعد نصف ساعةقلتمعن نفس ربما تسبب الطفل في ايذاء الامام, فعدت لآخذه. فرأيته قد وضع رأسه في حضن الامام ورجلاه على الحائط ويطالب الامام بوضع الاوراق بصورة مرتبة وكذا وكذا. وكان ا لامام يضحك لكلامه. فطلبت من حامد أن يأتي لنذهب, إلا أنه رفض.. فاستئذنت من الامام بأخذه موضحا بأنه يزاحم اوقات سماحتكم. فقال الامام: (كلا, الطفل ليس مزاحما, اذهب أنت).49

يتعاطف مع معارضه

ذهبت يوما بمعية الشيهد حجة الاسلام والمسلمين سليمي , الذي كان يعمل في مكتب الامام, الى احدى جبهات القتال جنوبي البلاد لتفقد جند الاسلام وتقوية روحيتهم. وفي الطريق دار بيننا حديث عن خصوصيات الامام.وقد ذكر لي قائلا: قبل أيام كنت أتحدث مع الامام عن وقاحة الشيخ علي طهراني وجرأته في الاساءة خلال احاديثه اليت تبثها اذاعة بغذاد . إذ أن هذا الخبيث كان يتجرأ في الاساءة الى الامام بشكل غريب.. وما أن أنهيت كلامي, قال سماحته: (من المصادفة كنت قد تذكرته قبل أيام وقد دعيت له).. ان الامام كان يتعاطف الى هذا الحد مع معارضيه واعدائه ويدعو لهم بالهداية.50

هل سمعتم صوت الجرس؟

فترة طويلة وأنا أنام مع الامام في غرفة واحدة, خاصة في الفترات التي كانت تسافر والدتي.. كان الامام يرفض ذلك, وكان يقول أن نومك حساس جدا يحرجني. حتى أني رأيته يوما يلف الساعة التي كان يستخدمها كمنبه لايقاظه, بقطعة قماش لاخفات صوت الجرس. وكان يضعها في مكان بعيد حتى اذا ما رنّ جرسها لا أفيق من نومي. فوي احدى المرات كنت يقظا إلا أني حاولت التظاهر بالنوم, لان سماحته نضض لصلاة الليل. في الصباح اليوم التالي اراد الامام أن يعرف إن كنت افقت على صوت جرس الساعة, فقال لي: (هل سمعت صوت جرس الساعة؟). ولاني لا اريد قول الحقيقة وفي الوقت نفسه لا أكذب, قلت: وهل كانت هناك ساعة في الغرفة حتى أفيق؟..الامام ايضا تنبه الى أني احاول أتحايل عليه، فقال: (أجب على سؤالي, هل استيقظت بسبب رنين الساعة؟). افضطررت لان اجيب بنعم. قلت: من المحتمل اني كنت يقظا, لان صوت الساعة كان خافتا جدا. وهناك قال الامام: (بعد الان يجب أن لا تنام معي لاني ابقي في قلق لئلا تفيق من نومك.). قلت: انني أتقصد ان اكون الشخص الذي ينام مكعك – بعدما اصيب الامام بمرض القلب واستقر في طهران- لاكون بجوارك اذا ما تدهورت صحتك. فقال: (كلا, أذهب وقولي لبنتك ان تأتي عندي). وما هي إلا أيام معدودة حتىا قال: ليلى ايضا لم تعد هناك ضرورة لان تنام معي. لانها تزيل الغطاء عنها فأضطر للنهوض دائما كي أغطيها.)51

لماذا زعل علينا

في احد الايام كان من المفترض ان ياتي احد الاصدقاء مع آخرين لزيارة الامام. ونتيجة للتصرف غير اللائق الذي قوبل به من قبل شخص التحق حديث بفريق الحراس, غضب الصديق وعاد من حيث أتى.. والطريف أن الامام سأله عنه منذ اللحظات الاولى التي التقيناه. فاوضحنا لسماحته ما حدث. فقال وقد ارتسمت ابتسامةمعبرة على شفتيه مفعمة بالمحبة: (اذا ما ازعجه احدهم, فلماذا زعل علينا؟). واننفس هذا الشخص عندما علم بمشاعر الامام تجاهه تأثر كثيرا.52

كثير ما أتطلع الى الاطفال

كان الامام رؤوفا وعاطفيا للغاية. خاصة بالنسبة للاطفال إذ كان يحبهم كثيرا.. كان سماحته يتصرفمع الطفل كالاطفال, حتى انه كان يقول: (عندما اكون في الحسينية كثيرا ما أمعن النظر الى الاطفال.). واحياناعندما كان يرى الاطفال يتألمون لشدة الزحام وحرارة الطقس, كان يقول: (انني أتألم كثيرا لهؤلاء الاطفال الذين يأتون بهم الى الحسينية في مثل هذه الظروف.. إذ أنهم يتأذون ويمرضون.).. حتى ان سماحته كان يود أبناء الشهداء إن لم يكن اكثر من ابنائه فليس اقل منهم.53

 

 

 

 



تعداد بازدید:  2536




Skip Navigation Links
دستور الجمهورية الاسلامية الايرانيةدستور الجمهورية الاسلامية الايرانية
ذكرياتذكرياتExpand ذكريات
المقالاتالمقالات
سيرة الإمام الخميني (ره)سيرة الإمام الخميني (ره)Expand سيرة الإمام الخميني (ره)
كتب و مؤلفات الامام الخميني (ره)كتب و مؤلفات الامام الخميني (ره)Expand كتب و مؤلفات الامام الخميني (ره)
احاديث و خطابات الامام الخميني(ره)احاديث و خطابات الامام الخميني(ره)Expand احاديث و خطابات الامام الخميني(ره)
الوصية الإلهية السياسيةالوصية الإلهية السياسيةExpand الوصية الإلهية السياسية
اشعار حول الامام اشعار حول الامام Expand اشعار حول الامام